من ريحة المرحوم ! / م . عبدالكريم ابو زنيمه

من ريحة المرحوم !
هناك في جنوب شرق آسيا عاش سكان إحدى الجزر الفقراء من عملهم في تنظيف السفن العابرة ، بالمختصر كان مصدر دخلهم يتأتى من الأعمال القذرة المتمثلة في التنظيف والأعمال الوضيعة الاخرى ، وكانت السلطة الحاكمة أو الطغمة الحاكمة وحاشيتهم غارقين في الفساد بجميع اشكاله !
شاءت الأقدار ان يتسلم أحد ابناء الجزيرة المخلصين السلطة ،لم يستغرقه الوقت كثيراً وفي خلال ساعات قليلة قام باختيار وزرائه إلا وزيراً واحداً وهو وزير التربية والتعليم ، توقف كثيرا ومر ما يقارب الشهرين من الزمن وهو يراجع ملفات المختصين في هذا المجال ،تجمع لديه أكثر من ملف ،قام بالتحري والتقصى عنهم وعن سيرتهم وسلوكهم ونهجهم حتى استقر رأيه – بناء على ما جمعه عنهم من معلومات -على احدهم ، عينه وزيراً للتربية لكنه اشترط عليه قائلاً :مصير ومستقبل هذه البلاد متوقف عليك ، وعليك يتوقف تغيير كل هذه القيم السلبية وهذا الانحطاط والدونية والمطلوب منك إنشاء جيل يتحلى بالوطنية…جيل مخلص ومؤمن بأنتمائه للوطن…عليك بزرع كل القيم النبيلة والأخلاق القويمة والسلوكيات والاتجاهات الإيجابية في نفوسهم ؛أما الفاسدين فأنا كفيل بتصفيتهم وخلعهم من جذورهم !
بدأ الاثنان العمل بما اتفقا عليه ، أما وزير التربية فبدأ بتغيير المناهج بما يضمن التنشئة الوطنية والمعرفة والعلم وتعزيز مكارم الاخلاق “الصدق، الأمانة،الوفاء،الاخلاص في العمل،الانتماء،العدل….الخ” وطلب من المعلمين والمدارس فتح ملفات سلوكية لكل طالب ،وما ان أنهى الفوج الأول مراحل التعليم بعد سنوات حتى تم اختيار الأفضل والأكفأ منهم لمتابعة تحصيلهم العلمي في أرقى الجامعات العالمية ،وعند عودتهم إلى جزيرتهم الوطن اجتمع بهم رئيس وزرائهم وقال لهم ما قاله لوزيرهم سابقاً وسلمهم السلطات حسب اختصاصهم ،وهكذا استمرت عملية الاستثمار في الموارد البشرية حتى تغير كل شيء في هذه الجزيرة وأصبحت من الدول المنافسة عالمياً في الاقتصاد ،وارتفع دخل الفرد فيها عشرات المرات حتى اصبح دخل المواطن السنغافوري من أعلى المستويات في العالم !بالرغم من عدم احتواء أرضها على أية موارد طبيعية ،وبعد ان أطمأن هذا القائد بأن بلده تسير على الدرب والاتجاه الصحيح نحى نفسه عن السلطه بالرغم من مطالب الشعب له بالبقاء !!!
عندما تتوفر العدالة والإردادة والادارة وتكافؤ الفرص تبنى وتزدهر وتنمو الأوطان ،عندما يؤمن المسؤول بهويته وانتمائه فانه يخلص ويتفانى ويبدع في عمله ،عندما تتوفر الإردادة للتغير للأفضل فان هناك مائة وسيلة للوصول للقمة ،عندما يعين المسؤول على اساس الكفاءة والنزاهة لا على اساس انه من “ريحة المرحوم او ريحة المرحومة” تتحقق وتتراكم الانجازات ،وفي المقابل ما دامت المناصب تتوارث وتوزع للأحبة والخلان ،وما دام انتماء المسؤول لجنسيته الثانية فان الدرب الذي نسير فيه لن يوصلنا إلا إلى قعر الهاوية !

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى