المغتربون قضية وطن (ا)

المغتربون قضية وطن
(ا)
أ. د أحمد العجلوني
باحث أكاديمي وخبير اقتصادي

يقدّر عدد الأردنيين الذين يعيشون خارج حدود الوطن ما بين 800,000 إلى مليون شخص (أي حوالي 10% من سكان الأردن)، وقد أبرزت أزمة عودة المغتربين الأردنيين في دول الخليج لغايات قضاء الإجازة الصيفية أو بسب انتهاء العمل هناك الجزء الظاهر من جبل الجليد، وأثارت قضايا كثيرة عالقة منذ فترة طويلة فيما يتعلق بهذه الشريحة الواسعة من المواطنين؛ وما لهم وما عليهم تجاه بلدنا العزيز. وقد بات لزاماً علينا أن نفتح هذا الملف المهم (أي ملف المغتربين وليس الأزمة الحالية فقط) ذو الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي تهم كل مواطن وليس المغتربون فقط أو الحكومة.
وسوف أفترض بداية حسن النية؛ وأزعم بأن الجو المشحون ضدّ المغتربين الأردنيين أو التعاطي السلبي مع قضيتهم يعود بجزء كبير منه إلى عدم فهم طبيعة هذه الفئة من المواطنين وطبيعة أوضاعهم وما يواجهون من مشاق يعرفها كل من ذاق مرارة الاغتراب حالياً أو سبق له الاغتراب قبل ذلك. ولا أدل على ذلك مما نلمسه من معاملتهم بقرارات متعسفة وغير مبررة، أو ما صدر من توصيات عن مجلس الأعيان بتشديد الإجراءات على عودة القادمين من الخارج (فوق التشديد والتضييق الحالي!) أو تحميل المغتربين عموماً وزر التقصير بحق الوطن من قبل الكثيرين؛ منهم رئيس مجلس إدارة أحد البنوك السيد عبد الكريم الكباريتي، أو بعض ما ينشر في وسائل إعلام محترمة من كلام غير مقبول وطنياً ولا إنسانياً.
إن ما يتم الآن بحق المغتربين من حملة شعواء أصبح يولّد ردود فعل حادة لدى البعض؛ تضر بالبلد وبانتماء المغتربين له نتيجة للشعور بتنكر الحكومة والنواب والإعلام لهم (إلا من رحم ربك!). وباتت بعض الدعوات الحادّة – التي لا أقبلها شخصياً – تلقى رواجاً لدى شريحة من المغتربين؛ مثل عدم تحويل اي مبلغ مالي الى الاردن الا بالحد الأدنى، أو قضاء جزء كبير من الإجازات في الاعوام القادمة خارج الوطن ومقاطعة السياحة الداخلية، وعدم شراء اي عقار داخل الأردن واستبداله ببلد آخر. وهذا كله غيض من فيض معاناة يزيد من الشرخ الاجتماعي الناتج عن الإحساس بأن البلد يتعامل مع المغتربين على ما يقال في الأمثال الشعبية “كخبز الشعير؛ مأكول مذموم”!
لقد أدى عدم وجود بيانات رسمية دقيقة أو دراسات علمية تتعلق بالأردنيين الذين يعيشون خارج الوطن إلى غياب رؤية حكومية واضحة وفعّالة للتعاطي مع هذا الملف المهم فيما يحقق مصلحة البلد عموماً أو يعين هؤلاء المواطنين في بلاد الاغتراب أو مرحلة العودة إلى أرض الوطن للاستقرار. فخلال البحث عن مصادر بيانات دقيقة للاعتماد عليها لم أجد بيانات رسمية سوى ما يتعلق بتحويلات هؤلاء المغتربين، فيما تعرضت بعض الدراسات المسحية (غير المنشورة) لأحد مراكز الدراسات إلى موضوع التحويلات أيضاً! فيما غابت باقي القضايا المتعلقة بهؤلاء المواطنين من أوضاع اجتماعية أسرية وصحية ونفسية، أو القضايا العمّالية والحقوقية أو حقوقهم القانونية والسياسية؛ ولم أجد من يتطرق لها. كل هذا أدى إلى الحاجة إلى توضيح قضية هذه الشريحة من أبناء البلد بعجالة من خلال هذا المقال وما يليه.
إن الكثير مما يتم تداوله في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة حول المغتربين غير دقيق، وبعضه يستخدم بيانات مغلوطة بسبب عدم وجود مصدر رسمي للمعلومة أو لأغراض غير موضوعية. ولضرورة تطويق هكذا مشاكل ومنع أزمات أخرى إضافية، فإنني سوف أشير إلى أهم الجوانب التي يجب الانتباه لها، والتي تزوّد متّخذ القرار الحكومي أو الرأي العام بالصورة المناسبة لأوضاعهم وكيفية التعاطي معهم بما يحقق المصلحة العامة للبلد.
سوف ألقي الضوء على نقطة جوهرية في هذا الموضوع تتمثل بالإجابة على السؤال: من هو المغترب؟
من المهم جداً في البداية التمييز بين صنفين من الأردنيين الذي يعيشون خارج البلد لغير أغراض الدراسة، لما لذلك من أهمية قصوى في التعاطي معهم. وهذين الصنفين مختلفين بشكل كبير، فهناك المغتربون العاديون؛ وهناك أردنيون اختاروا الاستقرار النهائي في بلد آخر غير الأردن، وهم أقرب ما يوصفوا بأنهم “مهاجرون” طوعيون.
من أهم الحقائق التي تبيّن طبيعة كل من المغتربين والمهاجرين وتدعو إلى التمييز بين كل منهما ما يلي:
– القاعدة الاقتصادية والاستثمارية للمغترب مستقرة في الأردن، أي أن الأموال التي يوفرها نتيجة لاغترابه تصب في الاقتصاد الأردني بالكامل على شكل ودائع في البنوك أو استثمار مباشر أو بشراء عقارات من السوق الأردني أو تنفق لأغراض استهلاكية مختلفة في البلد. في حين أن المهاجر يستثمر أمواله خارج الأردن ولا يحوّل الأموال كما المغترب.
– المساهمة في الاقتصاد الأردني تأتي من المغتربين الذين يحوّلون أموالهم إلى الأردن دورياً وينعشون الاقتصاد، في حين أن ما يقدّر ب 17 مليار دينار من استثمارات تعود لرجال أعمال أردنيين خارج الأردن لا يحوّل منها شيء للأردن، إذ أنني لم أجد ما يشير إلى ذلك. أي أن تحويلات المغتربين لخمس سنوات تفوق بكثير ما تتطلع إليه الحكومة من استثمارات – لن تأتي- من أردنيي الخارج من المهاجرين. لسبب بسيط هو أنه لو وجد هؤلاء في الأردن بيئة استثمارية مناسبة لما استثمروها بالخارج، فقرارهم اقتصادي قبل أن يكون وطنياً!
– القاعدة الاجتماعية للمغترب بالأردن، وهو غير منقطع عنه، أي أنه مرتبط بالأردن اجتماعياً بشكل كامل من حيث وجود بيت واسرة وأقارب ومعارف. في حين أن المهاجر منقطع عن البلد لفترات طويلة، وحياته الأسرّية وشبكة علاقاته الاجتماعية مستقرة في البلد الأجنبي وليس في الأردن.
– المغتربون يحملون الجنسية الأردنية فقط، في حين أن المهاجرين يحملون جنسيات أخرى.
– المغترب يتردد على الأردن بشكل دوري أو شبه دوري في الإجازات والأعياد والمناسبات الاجتماعية. في حين أن المهاجرين قل ما يترددون على البلد وبعضهم قد يبقى لسنوات طويلة دون زيارة.
– تواجد المغترب في بلد الاغتراب فردي من خلال عقود عمل شخصية، في حين أن تواجد المهاجر في المهجر مؤسسياً في الغالب، أي أنه يكون من خلال تملّكه مؤسسة اقتصادية بشكل كلّي أو جزئي. وهذا أدعى لاستقرار المهاجر في بلد المهجر، وانخفاض الرغبة في الاستثمار في الأردن، أو حتى عدم المساهمة في جهود الإعانة في الأزمات (على ما يتّهمهم به البعض).
ويجدر التنويه بأن هذا التمييز ليس أكثر من تمييز “تقنيّ” لأغراض التعاطي المناسب مع كل من هاتين الشريحتين؛ وليس مقصوداً بأي حال لغايات التفريق المذموم بين أبناء الوطن لا قدّر الله.
وسوف أتناول في المقال التالي –بإذن الله- تأثير هذا التمييز على الأهمية الاقتصادية والدور الاقتصادي لكل من المغترب والمهاجر، وتقييم الأداء الحكومي في التعاطي مع هاتين الشريحتين.

حفظ الله الأردن من كل شر؛ وأدام ازدهاره
https://www.facebook.com/ProfATAlAjlouni/

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى