
ذكاء الإدارة التركية في الأزمة
تعدّ قيادة الدولة التركية قيادة سياسية وإدارية متميزة وذكية وتحديدًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من حيث فن إدارة الأزمات والتي تعاملت بها تركيا على المستوى السياسي والتقني في حادثة مقتل الصحفي السعودي الشهير جمال الخاشقجي، وبالرغم من أن المملكة العربية السعودية تناصب العداء للرئيس اردوغان وحزب العدالة والتنمية في تركيا، حيث شاركت مع الإمارات في دفع مليارات الدولارات لتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016م ، ثم محاولة إضعاف الاقتصاد التركي عبر ضخ عشرات المليارات لهز الاقتصاد والعملة التركية في الآونة الأخيرة من عام 2018م ، وتدبير عملية قتل خاشقجي على أرض تركيا لهز الأمن التركي وفقدان الثقة لدى الشعب التركي لحزب العدالة والتنمية ومؤيديه، وجد الرئيس التركي في هذه الأزمة فرصة وصيد ثمين، مما يتطلب استغلال هذا الحدث الواقع لتحسين الدور والمكانة التركية في المنطقة في ظل عدم التوازن والانسجام الداخلي الأمريكي وهشاشة العلاقات الإقليمية والدولية.
لقد كانت الحادثة داخل السفارة السعودية هدية التقطها اردوغان ليصنع منها ملحمة سياسية وإعلامية يمسك بكل خيوطها، فقد شدت أنظار العالم كله كمسلسل بوليسي تحبس خلفه الأنفاس بتسريب بعض معلومات عن الجريمة بطريقة التقطير واطالة أمد التحقيقات لتعذيب الضحية نفسيًا وللخروج بأكبر قدر من المكاسب السياسية، فقد تمت إدارة الأزمة بحرفية هائلة، حيث التزم اردوغان في تصريحاته بلغة القانون والهدوء ولم يخرج عنها وجعل الأزمة قانونية بحتة تخضع للتحقيق بعيدًا عن أي مزايدة سياسية وأمسك بخيوط اللعبة بمفرده رغم مناداة الأمريكان بالمشاركة في التحقيقات والذين كانوا سيثيرون اللغط حول الجريمة لمحاولة إنقاذ موقف السعودية، وبرغم العداء السعودي لأردوغان فإنه تحدث إلى الملك سلمان وتقبل مشاركة فريق سعودي في التحقيقات بدهاء كي يطلعهم اثناءها على التسجيلات التي لدى حكومة تركيا والتي تثبت الضلوع في الجريمة، وفي بداية الأزمة بدأ ترامب مضطربًا، ثم قرر أن يجد وسيلة لإنقاذ السعودية فبدأ يدلي بتصريحات تبعد الجريمة عنها وتلصقها بجهات مجهولة وهو ما قابله اردوغان بمزيد من التسريبات والتي كانت ترسل إلى القنوات الأمريكية مثل CNN، وكذلك إلى كبرى الصحف الأمريكية مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست وإلى الصحف الكبرى المؤثرة فى العالم وأشعل بها اردوغان الرأي العام العالمي، مع إمساكه لكافة الخيوط، وعندما وصل وزير الخارجية الأمريكي بومبيو إلى السعودية لإيجاد تسوية وغادر بعدها إلى تركيا وقبل وصوله إلى مطار أنقرة لفرض مساومة تم الإعلان عن تسريب هو الأخطر بذكر تقطيع خاشقجي بمنشار من جانب الطبيب الشرعي على صوت الموسيقى ليثير الرأي العام الأمريكي والعالمي ويضع ترامب فى موقف محرج، خاصة وأن انتخابات التجديد الكلي لمجلس النواب الأمريكي والجزئي لمجلس الشيوخ بعد أسبوعين، وهو سبب رئيس في إطالة اردوغان أمد التحقيقات للضغط على ترامب، وقد اطلع اردوغان وزير الخارجية الأمريكي مبعوث الرئيس ترامب على تسجيل الجريمة، وفي خضم الأزمة استغل اردوغان الموقف وعرض على ترامب إطلاق سراح القس الذي كانت تحتجزه تركيا كورقة سياسية للمقايضة بها مقابل الإفراج عن مدير بنك تركي محتجز لدى أمريكا وكذلك إنهاء العقوبات التجارية التي فرضتها أمريكا منذ عدة أشهر على تركيا، وقد كان له ما أراد لعلمه بحاجة أمريكا إلى تركيا فى الملف السوري، حيث أنه بموجب التوافق التركي الروسي تم تحييد أمريكا وأصبحت روسيا اللاعب الأساسي فيه بجانب إيران وتركيا، كما أن اردوغان عمل على إضعاف دور ترامب بين أعضاء حزبه وبين حزبه وخصمه الحزب الديمقراطي، ما رتب على أعضاء الكونجرس التقدم بطلب للتحقيق في الجريمة وفرض عقوبات على السعودية بوقف بيع السلاح لها، فيما تحرك الوسيط المصري إلى روسيا كي يطالب بوتين بالضغط على اردوغان لإنهاء الموضوع وديًا أو بعقد صفقة، ولكن لم يستجب بوتين للطلب الأمريكي بل صرح بأن أمريكا تتحمل جزء من المسؤولية في ذلك الموقف الحرج، مما ارغم ترامب على أن يغير موقفه المتخاذل أمام الجريمة البشعة بشكل كامل حرصًا على عدم خسارته مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما بدا في تصريح ترامب الأخير المتشدد حيال السعودية والذي يشير بأنها ستواجه عقوبات في حال الإدانة .
لقد استغل اردوغان الأزمة وارتباك ترامب لتفكيك وإضعاف الحلف السعودي الأمريكي الإماراتي المصري، وإجبار ترامب على فرض عقوبات على السعودية والتي بدورها تثبت للمملكة العربية السعودية أن المتغطي بالأمريكان عريان، وهو ما أدركته الكويت حال وقوع الأزمة من ابتزاز صريح من جانب أمريكا للسعودية، والذي قد يتكرر مع غيرها من دول الخليج العربي، فسارعت بعقد معاهدة واتفاقية دفاع مشترك مع تركيا منذ أيام وهو أحد أكبر مكاسب اردوغان من الأزمة، إذ أنه يضع قدم تركيا فى الخليج ويصنع لها تحالفًا مع قطر والكويت .
لقد أدار القائد التركي الأزمة بحرفية نادرة بأسلوب التنقيط والطبخ على نار هادئة ليخرج منها بكل المكاسب السياسية وردع خصومه ورفع من شأن سياسة ودور الدولة التركية في المنطقة.

