سياسة العرب / أحمد فخري العزام

سياسة العرب

انتشر مصطلح الديوث عند المجتمعات العربية وخصوصا منذ ظهور الإسلام ، وهو مفهوم شرعي و لغوي يلازم أي رجل لا يغار على زوجته وتوسّعت الكلمة بعد ذلك لتشمل الإبنة والأخت تزامنا مع التفاسير والاجتهادات ، ولازال هذا المفهوم مسيطرا على المجتمعات العربية حتى لو سطحيا وظاهريا فقط ،
ومع الانفتاح اللامعقول و المتسارع في مجتمعاتنا أصبحت كلمة ديوث تستخدم كبطاقة جاهزة لوصف كل رجل متهاون مع محارمه بما لا يتوافق مع الدين أو الأعراف وأخلاقيات مجتمعاتنا القديمة التي يرفضها كثيرون ، وهذا ينطبق تماما على الحكومات والسياسات العربية عندما أصبحت تتهاون في الحقوق المدنية والاجتماعية للمواطن العربي و تتهاون أيضاً بحقّه في العيش الكريم وأصبح يستهان بكل منظومة الاداريين والعاملين في المصالح والخدمات الوطنية من أصغر موظّف إلى أكبر مسؤول ، وأفهموه مرادهم بأمثلة عديدة مثل ” إذا كان لك عند الكلب حاجة قلو يا سيدي ” و” طاطي للريح حتى لا تكسرك” وكرسّوا فيه منتهى الخنوع والذلّ وشنقوا فيه النخوة الحقيقية حتى أصبح يفرغها على نشاطات ليست ذات أهمية كبرى بعيدة عن همه الوطني كنوع من التنفيس لتعويض انعدام الرجولة التي يعانيها في كل مكان داخليا ، أما دوليا فالعربي يعاني من أبشع أنواع الدياثة الفكرية والعلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية ، ليأتي ذلك الأوروبي والأمريكي ويدوس على كرامة الدول العربية لأن تركيبة مجتمعاتنا كلها واحدة ،
فمن جعل الغرب يفعل بِنَا هكذا ليس منظومته السياسية وإنما الفرد الغربي المفكّر والعالم والذكي الذي انتفض على الجهل والظلم والقمع في بلاده ، وعندما تحرّر داخليا انعكس ذلك على تحرّره خارجيا وبقوته الداخلية استنبط قوته الخارجية وتحكّم في أشباه الرجال لدينا … نعم هذه الحقيقة التي تأتي دائما جارحة ولابدّ من مواجهتها ، لأنها أودت بِنَا إلى الحضيض في كل المجالات ورغم ذلك لازلنا ندور في نفس الحلقة ، والأنكى والأمر من كل ذلك أن الرياضة التي من شأنها الحفاظ على سلامة العقول أصبحت تمارس عند العرب لتكون ملهية للشعوب عن دياثة حكوماتهم و تفعيل
السطحية والنفاق والتكريس للعنتريات الفارغة الجوفاء أصبح الشغل الشاغل للحكومات لممارسة دياثتها دون أدنى خجل او اعتراض من أي أحد ،
تلك السياسات و الحماس و العنترية في الرياضة المتنفس هي الأفضل للشعوب، بل جعلتهم يعتقدون أنّ لديهم كرامة بينما هم في الواقع لا يملكون حتى اختيار لباسهم وطعامهم ،
في الأيام القليلة الماضية وهذه الليلة أيضاً شاهدت هستيريا العرب المتكررة أمامي في أكثر من دولة وهم يحتفلون بفوزهم في لعبة كرة قدم بطريقة جنونية، و كأن الشعوب (تغسل عارها كما يقال عندنا ) و تسترد كرامتها المسلوبة وتنتفض لتداوي ألم العراق ووجع ليبيا و انكسار سوريا و تعيد للقدس بكارتها ، و تجبر انكسار الخليج و الشام و يشفى على يد شعوبنا المحتفلة بإنجازنا الرياضي كل أمراض ترهل شمال افريقيا ….
إنّ أغلب شعوبنا تصنع وهما مزيّفا كاذبا تهرب به عن واقعها المؤلم ..تهرب عن مشاكل الفقر والبطالة و حلول الاستثمار ..تهرب عن أبسط حقوقها في العيش الكريم الآمن على حدود وطن قوي….
أما من يمارسون الدياثة في أقذر الصفات ، أعتقد أنهم نجحوا بالمهمة الموكلة إليهم و الخاسر الشعوب و أوطانهم … أما الفائز ثلاث منتخبات رياضية عربية حملت هموم الشعوب و أفرحت قلوبهم بل وكأنها استعادت شيئاً من كرامتهم …
مبارك للمغرب و مصر و السعودية تمثيل العرب في بطولة كرة القدم العالمية القادمة ….. و يا حزناً على عروبتنا الزائفة .

المغرب … أغادير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى