من ذاكرة البدوي / 7 … منصور ضيف الله

من ذاكرة البدوي / 7
الغور … ويعني للطفل السكنة ، منطقة مقفرة تتربع على كتف الشونة الجنوبية ، بيوت الشعر تستقر بشكل عشوائي ، لم تكن بيوتا بالمعنى الحقيقي ، مجرد خرابيش يأكل رجالها الفقر ، والانتظار ، ووجع مكتوم يتعربش الشفاه الحزينة . كانت النساء اكثر فرحا ، وألقا ، وصمتا . الخدود متوردة ، والعيون متراقصة ، والصدور مشتعلة ، ففي هدأة الليل ما يغني عن التعب ، ويمنح الرضى ، ويحقق الاكتمال في دورة متجددة قوامها ابن العم ؛ رفيق النشوة والأسى .

اعتاد الرجال التقاط خبزهم من التهريب ، عبر وادي عربة ، مرورا بسيناء ، وتعريجا على صحراء النقب ، يهربون كل ما يخطر على البال ، يمضون في مجموعات معروفة ، ولكل مجموعة دليلها ؛ أكثرهم خبرة وجرأة . يشق بهم المسالك في رحلات ليلية مضنية ، وخطرة ،قد تنتهي بمعركة مع جيش “الدفاع” ، يسقط فيها بعضهم ، بلا أثر ، ليعم “الفريق” في اليوم التالي صمتا كئيبا هامسا .

هكذا غادر عمي ، خرج من الشق في خلوة أخيرة ، كانت شمس الغور تودع شجر النبق ، تلقي ببقاياها على التلال المحيطة بنهر الأردن ، توشوش حبات الماء المنحدرة ، وتعدها بزمن جميل . كنت ارقب مشهد الخلوة بدقة ، في الحقيقة توسطت بين الرجلين تماما ، حافيا ، وشبه عار ، لم أستمع حرفا واحدا ، فقد اخذتني التفاصيل . أستذكر عباءته السوداء ، ووجهه الملتحي ، وهذا التدفق في الكلام ، يتبعه صمت ، وشرود . تلك الليلة ، عند منتصفها على الأرجح ، خرج في رحلته المعتادة ، التقطه جيش الدفاع ، وغاب إلى الأبد .

بقيت السكنة سرا مستعصيا إلى اليوم ، ففي بطنها ثمة شيء ، وأقسم اني أحسه ، اتلمسه وما زال يبهرني ، ويبكيني . أقله تلك الدماء التي اختلطت ؛ دماء الجندي الأردني والعراقي والفلسطيني . وبعضه تلك القطاعات العسكرية العراقية التي وفدت لتحرير القدس ، كان الجندي العراقي شجاعا ، مقداما ، وصادقا ، وكانت طائرات ” الستار فايتر” تركز هجماتها على المضادات العراقية ، هجمة تلو هجمة ، والعراقي مقاتل ابي ، يرفض الدنية ، ويظل كما نخلات دجلة والفرات .

مقالات ذات صلة

ذات صبيحة اغارت الطائرات الإسرائيلية ، وفجأة التمعت في الجو كتلة نارية كبيرة ، وبعيد قليل كانت مظلة تتهادى ، تشق كتل الدخان ، وتحمل هديتها إلى الأرض ؛ طيارا اسرائيليا , عريض المنكبين ، طويل البنية ، اشقر الشعر ، لعله روسي او اوكراني . أحاط به الجنود العراقيون ، كان ينظر للجميع بدهشة ، وخوف . جاء الضابط سريعا وأخذه إلى مكان بعيد .

هرمنا ، وظلت السكنة فتية ، تداري سرها ، وتخفيه ، بعضه تلك الدماء التي امتزجت ، وتصاهرت ، في انتظار العبور الأخير .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى