
مقال الجمعة 1-5-2020
حجم المطرقة..
حقّاً أهو يوم عالمي للإحتفال به؟..قالها ساخراً ونصف ابتسامة مرّت على شفتيه أثناء جلوسه على الرصيف أمام منزله في عطلة قسرية طويلة… “يباركون ،يمجّدون، يهنئون، يغرّدون ويبرقون” حفاوة به ..وهو الذي يجوع ولا ينتبه إليه أحد، ويسقط ولا يلتفت إليه أحد ،ويطرق الأبواب ولا يفتح له أحد..وهو الذي يوازن بين “لحاف” دخله البسيط وأرجل احتياجاته الطويلة..ولا ينصفه أحد…هو الذي يخاف من غدٍ كما لو أن وحشاً سيبتلعه ولا يطمئنه أحد..
وتستمر المفارقات ، حتى تاريخ الاحتفال به جاء حائراً بين حدّ الربيع وحدّ الصيف..في غرّة أيار، قطفة الشمس الأولى ،قالوا للعامل هذا عيدك..بين ورقة الروزنامة الأولى من الشهر..والورقة النقدية الأخيرة في جيبه ، يتيه الفرح ،وتتلاشى لكل الهتافات العالمية التي تصدح باسمه…فالهتاف لا يطعم خبزاً، وتهاني الزعماء لا تدفع أجار البيت..
وتستمر المفارقات، عندما أضرب عمال شيكاغو وعمال تورنتو في الأول من أيار سنة 1886 محتجين على ساعات العمل الطويلة وطالبوا بتخفيضها الى 8 ساعات فقط كان العمل متوفّراً ووفيراً وغزيراً ، ها نحن نقف بعد مائة وأربعين عاماً ،نطالب بعملٍ بأي عمل دون أن نلتفت الى الساعات ، سنقطع عقارب الساعة ونحيّد الوقت جانباً في معركتنا مع الجوع..فالحقوق في زمن الفقر والخوف والقهر صارت ترفاً..
يوم الأول من أيار، في حياة عامل لا يعمل، كتقطة ماء سقطت في بحر، هو يوم عطلة في عمر طويل من العطلة ، لا تلوّن هذه النقطة هذا البحر،ولا تغيّر نكهته، وأنما تتماهى مع الموج الذي يضرب أفكار القش التي تؤوي آخر أحلامه…
حقّاً أهو يوم عالمي للإحتفال به؟..قالها ساخراً ونصف ابتسامة مرّت على شفتيه..وهو يفكّر كيف يستخرج طحين خبزه من بين الحجارة، وكيف يخيط الشفة السفلى من حذائه كي لا يفشي سرّ فقره للطريق والمارة ، وكيف يرتدي قميص التعب ،قميص يوسف، الموشّح بالدم والعرق والباطون ،بعدما أكله ذئب الرأسمالية ..هذا القميص لافتته ،وعنوانه البريدي، وعلامته التجارية التي تشي بكل من رآه أن عامل!!..
آخر المفارقات…أن الشعار الأكثر تداولاً في عيد العمال “مطرقة”..وكأن العامل ينقصه طرقاً على رأسه..حجم المطرقة يكبر كل يوم ويد العامل تصغر وتقصر ، حجم المطرقة يكبر..عندما أصغر أبنائه يبدأ بالمشي ويعجز عن شراء حذاء صغير له، عندما تلتقي عيناه بعيني زوجته ويقول لها بشفتين مشققتين ” لم أجد شيئا”..عندما تنام الناس في الليل على وسائدهم..وليله سقف الغرفة المقشّر ووسادته محشوة بالخوف والقلق…حجم المطرقة يكبر…والعامل هو المسمار الوحيد الذي إن انحنى داسته الأقدام..وان استقام اشتدّ الطرق عليه…
حياتنا كلها صارت مطرقة ..والغد لم يعد يأتي بجديد…فاليد من خشبٍ،والرأس من حديد..
احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmai.com



