
هجمات مرتدة وظالمة على مجلس التعليم العالي
أ . د أنيس خصاونة
ألِف الأردنيون الحديث عن الشخصنة وتضارب المصالح في معظم مؤسسات الدولة حيث تساق أدلة وحجج على أنماط سلوكية تجسد هذه الظاهرة المؤسفة وتبرز التدخلات والعلاقات الشخصية في عمل الوزارات والمؤسسات العامة. وفي الوقت الذي نعتقد بوجود هذه الظاهرة بشكل موسع في العمل الحكومي والجامعات والشركات المساهمة العامة، فقد أصبح التشكيك بمقاصد وبواعث كل قرار حكومي على أنه عمل شخصي ومصلحي يؤذي أولئك المسئولين الذين يتخذون قراراتهم استنادا لقواعد منهجية وموضوعية تستمد اتجاهاتها من تحقيق المصالح العامة. هذه المقدمة هي توطئة لموضوع هذا المقال عن الهجمة المرتدة التي يتعرض لها رئيس وأعضاء مجلس التعليم العالي على خلفية قراراتهم الأخيرة بإعفاء ثلاثة رؤساء جامعات رسمية من مهامهم.
لا ننكر بالتأكيد وجود مصالح شخصية في الجامعات ولا ننكر أن بعض قرارات رؤساء الجامعات يمكن أن تتأثر بما يسمى تضارب المصالح(Conflict of Interests) …ولا ننكر أن ترشح أعضاء مجلس التعليم العالي لإشغال وظيفة رئيس جامعة يمكن أن يدخل في باب تضارب المصالح ،إذ كيف يمكن تفسير أن من يقرر معايير وقواعد الاختيار والتعيين وتقييم رؤساء الجامعات يترشح لشغل وظيفة رئيس جامعة ساهم في هندسة متطلباتها ومواصفات من يشغلها؟ …لا ننكر أن بعض رؤساء الجامعات عينوا أصهارهم وأقاربهم وأصدقائهم وأبناء مناطقهم في مواقع قيادية دون الالتفات إلى معايير الكفاءة والجدارة…لا ننكر أن بعض رؤساء الجامعات المنتهية ولايتهم حققوا مكاسب مادية ضخمة من مياومات السفر المتكرر ومن عضوية مجالس الإدارة وغيرها…وأخيرا لا ننكر أن بعض رؤساء الجامعات ‘بالوكالة’ الذين عهد لهم إدارة جامعاتهم لفترة مؤقتة لا تزيد عن شهر رغم القيود والقضايا المسجلة عليهم في مكافحة الفساد، هؤلاء الرؤساء يرتبون لابتعاث أبنائهم خلال هذا الشهر للدراسة في الولايات المتحدة وبريطانيا على نفقة الجامعات ويفوضون صلاحيات رئاسة لجان البعثات لزملاء لهم سعيا منهم لإنهاء مهمة ابتعاث أبنائهم في تخصصات غير موجودة أصلا في الجامعة ناهيك أن الإعلان لم يكن عن ترشيح للابتعاث ولكن للإيفاد مباشرة لا لشيء إلا لأن ابن ذلك الرئيس المؤقت لديه قبول في جامعة محددة وينبغي أن يبدأ الدراسة فيها قبل انتهاء فترة رئاسة والده.
نقول هذا كله ونحن نعترف بوجود ظاهرة التدخلات الشخصية وتضارب المصالح ،ولكن ينبغي أن لا يوصم كل قرار وكل إجراء يتخذ بأنه شخصي. قرارات مجلس التعليم العالي الأخيرة قرارات واجهت ترحيب واستحسان كبير في أوساط العاملين في الجامعات، وهي قرارات لم تكن شخصية واستندت لمعطيات موضوعية وأدلة ومرت في عملية إجرائية طويلة(Process) ومن لديه شك من النواب أو الأكاديميين فيمكنهم الاطلاع جزئيا على محتويات التقرير الذي أعدته لجان التقييم المختصة .أما تقارير التقييم كاملة فإن الاطلاع عليها من اختصاصات المحكمة لما تحتويه ربما من معلومات وجوانب يمكن أن تعتبر تشهير بالرؤساء المنتهية ولايتهم. أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والعاملين الإداريين يدركون تماما أن الأخطاء والممارسات التي انتشرت في عهد بعض الرؤساء كانت خطيرة ،ويمكن أن تهز ثقة جهات رسمية وشعبية ودولية في سمعة جامعاتنا ،وهذا استدعى من أعضاء مجلس التعليم العالي أن يتخذوا قرارات مهمة وحاسمة في هذا المضمار.
وفي الوقت الذي نؤمن فيه بحرية الرأي والتعبير فإننا نعتقد بأن التحريض وشحن نفوس بعض الشرائح المستفيدة من الأوضاع السابقة لا يصب في مصلحة الوطن كما أني أتفهم أن يقوم رئيس جامعة سابق يعتقد بأن القرار مجحف بحقه باللجوء للقضاء المنصف ولكني لا أستطيع أن أتفهم أن يقوم هذا الرئيس بدعوة وجهاء العشائر في منطقته ووسائل الإعلام لبيان مظلمته …تماما مثل ما أعتقد بأنه لا يجوز لرئيس مجلس أمناء جامعة أن يقوم باتهام قرار التعليم العالي بإعفاء رئيس جامعة معين بأنه كيدي وجاء لفسح المجال لأحد أعضاء مجلس التعليم العالي لإشغال ذلك الموقع.
وزير التعليم العالي الدكتور الطويسي مطالب بأن يستمر وبثبات في إحداث تغيير حقيقي في مؤسسات التعليم العالي ، ومطالب بأن لا تحبطه مقالة هنا ومقالة هناك أو تشويش أو طعن غير مستند للوقائع والمقاصد فالزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يبقى في الأرض.
