
” مذكرات فاسد ”
“وبين ان الفساد الاكبر في الاردن توقف وان الفساد المتوجه الى الموارد الوطنية ايضا توقف الا ان الخطر الاكبر، هو الفساد الاصغر الموجه الى قيمنا وتاريخنا وتراثنا، والمنخرط فينا مثل الواسطة والمحسوبية التي يجب ان نتبرأ منها.”
هذا ما قاله اكبر مسؤولي مكافحة الفساد بالحرف …. صدقا لقد اصابتني حيرة اي نوع من الفاسدين أكون ؟!
عندما هممت بكتابة مذكراتي مع الفساد …. فكرت و ما جلبت من جديد ؟ … فطعم السكر حلو و الثلج بارد و الليل حالك السواد … و لكن الفساد غير معروف نكهته و لا صفاته و لا لونه …. و هو لا يتوانى ابدا عن محاولة اسكاتنا و يواصل التحدث عنا في كل محفل لنصمت…. لذا سأتحدث عنه الى ان يكف و يصمت … و بعدها أعدكم بأنني سأرمي قلمي و أحرق اوراق مذكراتي .
هل الفساد قدر أم اختيار ؟! … هل هو في الماء الذي نشربه أم في الهواء الذي نتنفسه ؟! …. هل الفاسدون منا أم انهم مخلوقات هبطت من السماء ؟!… هل الفساد طبع أم تطبع ؟! … هل هو موجود في الجينات فنتوارثها عبر الأجيال ؟! … هل الفساد يتشكل تحت الجلد بعد التعرض لاشعة الشمس… أم انه شجرة دائمة الخضرة لا تموت ؟!
اذا كنا جميعا نحارب الفساد…. مواطنون و حكومات … فمن هم الفاسدون؟! …. لا أذكر انني سمعت أن فاسدا تمت محاسبته و لا أن موجات الفساد انحسرت و تلاشت …. وأنا كفاسد قديم لم يحدث ان استوقفني أحد …. لكنني لم أعرف أن هناك فاسد كبير و فاسد صغير … و كنت اعتقد ان جميع الفساد حجم واحد يناسب كل المقاسات .
لكي تعرف هل أنت فاسد أم لا ؟! …. كم مرة بقصد او بدون تجاوزت اي قانون؟! …. ألم تحاول مرة او عدة مرات ان تتحايل و تتجنب اي نظام ؟! ألم تبحث عن أي “واسطة” صغرت أم كبرت في يوم من الأيام ؟! …. ألم تكسر أي قواعد و تخالف الكثير من المسلمات ….؟! أعرف اننا جميعا نبحث عن ” الواسطة”و لو لامر تافه … و صرنا نعتبرها حقا مشروعا او امتيازا لا عيب بالمجاهرة فيه …. و بات الناس بين نوعين إما متورط بالفساد أو لم تتح له الفرصة ليصبح فاسدا …. هذه اسئلة لا تحتاج اجابة .
رحلتي مع الفساد بدأت بتجاهل ما يحدث امامي …. لا ارفع هامتي …و انظر بخجل و وجل من تحت حاجبي ولا اميز بين الجلاد و الضحية … احترم القوي و اخشاه و لا يهمني الواهن الضعيف…. لا أجد صعوبة في استجلاب الابتسامة في وجه المسؤول بسبب او بدون. فالطريق لقلب المسؤول بالنفاق هي أول درجة في سلم النجاح .
لم أبذل جهدا كبيرا لأصبح فاسدا يشار إليه بالبنان …. يعلو صوتي هديرا عاليا كلما شعرت باي خطر على موقعي و امتيازاتي… فحكما اصبحت VIP… و لن اتنازل عن معاملتي التفضيلية ابتداء بجلوسي في المقاعد الامامية في اي نشاط والتي عادة ما تكون ممهورة ب” محجوز” رغم وصولي متأخرا في أغلب الاحيان . و أحدهم يتولى أن يجد مكان لاصطفاف سيارتي و قد يغسلها أحيانا….
لم يعد مهما لو وصلت لمكان عملي متأخرا قليلا …. أو اذا غادرت مبكرا كل يوم …. و كنت اقضي جل وقتي على مواقع التواصل و لا يفوتني ان اضع اعجابا على منشور سطحي لمسؤول او ان اثني على ما تفتقت قريحة مسؤول آخر من نصائح و افكار عن زيادة الانتاجية .
كنت فعلا احرص على ان اكون في الصف الاول في صلاة الجمعة و اقاوم بكل حزم الا تأخذني اغفاءة خلال الخطبة…. لا أقف بالدور عند المخبز دون ان اعرف سببا لذلك …. يعيد لي الشرطي رخصي رغم انني كنت مسرعا و ليس مع ” طفاية حريق” فهو يميز اسمي لسبب ما. و لم افهم لماذا يضطر الحلاق ليكذب ليمنحني رأس الدور …. يناديني أحد الموظفين في دائرة حكومية ويطلب مني عدم الانتظار و سيتصل بي عندما تكتمل المعاملة ..
لم ادفع رشوة ابدا … لكنني لا اعيب من يتعامل بالسحت و الحرام …. لا يردعني ضميري أن ابحث عن ” واسطة ” لتسهيل معاملة … سواء لعلاج أو إعفاء طبي أو تسهيلات جمركية أو فيزا لحج
أو حتى ترخيص مركبة …. ” الله يسلمك يا باشا” …. كل ذلك يجعل مني فاسد صغير حسب تعريف الحكومة ….
هل احتاج ان يكون لي حساب في بنك اجنبي و ليس لي ملف في ضريبة الدخل حيث ان كل استثماراتي ليست باسمي…. هل اسرق اموال المساعدات بعطاءات يرسيها علي فاسد صغير في مشاريع وهمية … هل لا بد لي من الظهور على شاشات التلفزة لاحدثكم عن قصة نجاحي و عصاميتي… و كيف تنامت ثروتي بعد ان كنت لا اجد قوت يومي . فأبهركم و تعجبون بي.
لن أخبركم أنني فاسد …. هل تحتاجون ذلك فعلا !!
” دبوس على الفساد”



