احتجاجات الرابع …ورهان الديناصورات / د. نبيل العتوم

خاص بسواليف – احتجاجات الرابع …ورهان الديناصورات

لغاية اللحظة ربما نقف أمام ظاهرة جديدة في المجتمع الأردني وهي غاية في الخطورة ، وهو تحول السلوك الاحتجاجي في الأردن إلى سلوك أسبوعي انتقل معه المحتجين من الأرياف والمدن إلى وسط العاصمة عمان ، وإلى الدوار الرابع بما يمثله من رمزية سياسية بالنسبة للشعب الأردني. ،
لنتحدث بصراحة وبعيداً عن لغة المجاملة والنفاق ، لأن الخطب جلل ، و لا يحتمل ، لا شك أننا أمام إشكالية حقيقية ؛ فالحكومة الأردنية فعلياً تنظر إلى أي احتجاج كما لو أنه حركة مناوئة مناهضة لجهود الإصلاح ، وأنه بات بمثابة المس بقدسية السلطة ورموزها، و طعن في شرعية الدولة ، وهنا مكمن المشكلة .

من الطبيعي أن نعترف أولاً أن يكون هناك معارضة واحتجاج ضمن إطار منطق “السببية”، بمعنى أن وجود الجماعات “المحتجة” كانت بسبب سياسات وأخطاء الحكومات المتعاقبة ، و هي ما زالت تندرج ضمن إطار الاحتجاج السلمي للتعبير عن جملة من المطالب ، و هدفها إيصال صوتهم إلى صناع القرار، بعد أن فشلت القنوات الأساسية ؛ وفي مقدمته مجلس النواب عن أداء دوره .
الجديد والمثير فعلياً هو بروز معطيات جديدة، أثرت على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للناس مع موجة الأزمات الإقليمية ، والتذرع بأهمية مواجهة التحديات الأمنية ضمن دبلوماسية ” تضخيم المخاطر ” التي كادت تطغى على لغة غالبية المسئولين الأردنيين ، ضمن سياق الحفاظ على نعمة الأمن والأمان ” ، وعدم التضحية بها مهما كانت الأسباب ، وارتفاع سقف المطالب الاقتصادية التي كانت في البداية تكاد تخلو من أية مطالب سياسية في بعدها الصراعي “التناحري” بين الدولة والمجتمع الأردنية ، وهو ما سهل القيام بتعديلات دستورية ، و تجميلية على التشريعات الناظمة للحياة السياسية ، مع ما واكبها من حزمة إصلاحات اقتصادية كثيفة اعتبرتها الدولة تصحيحية في تلك الفترة ، ولم يرافق ذلك أي تبريرات واضحة سوى إنقاذ الاقتصاد الوطني بغض النظر عن التداعيات التي مست حياة الناس في الصميم.

واكب ذلك عمليات تغيير عشوائية وغير مدروسة للتخفيف من حدة الاحتقان ، وفق ثلاثة مسارات :

المسار الأول : إستراتيجية تدوير النخب ، وإدماج النخب المحسوبة على العشائر في مواقع صنع القرار التنفيذية لطمآنة العشائر على امتداد الجغرافيا الأردنية ، والتي ما لبثت هذه “النخب” الجديدة أن أدارت ظهرها للشرائح التي تُمثلها ، وشدت رحالها إلى عمان الغربية… ، وبالمناسبة كان اختيار جل هؤلاء لا يخلو من الانتقائية في كثير من الأحيان والتي يعتمد جلها على المعارف الشخصية والعلاقات مع سين أو صاد ، أو لاعتبارات يعلمها الجميع ، دون النظر إلى ما تعانية هذه المناطق التي تمثل الخزان البشري لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية من مشاكل إقتصادية واجتماعية خطيرة ، وضرورة تنمية هذه المناطق ، وهو ما ولد حالة من ردة الفعل غير المسبوقة على سياسات الدولة وعلى النخب الغير ممثلة لهذه المناطق ، ما أدى إلى تعميق حالة المأساة .
المسار الثاني : التوسل بالنخب اليسارية ، والتي خرجت من رحم أحزاب ” المايكرو ” ، والتي لا يزيد أعداد منتسيبها عن مشجعي نادي رياضي من “الدرجة الرابعة ” ، وأصبح جل هؤلاء جزءاً من عقل الدولة الأردنية ، حيث ساهم انخراطهم كجزء من الحركة اليسارية في تلميع صورة الدولة خارجياً أكثر منه داخلياً ، على أساس اعتبارات ” ديكورية ” متعلقة بالديمقراطية ، واشراك الأحزاب في عملية صنع القرار ، والتشاركية …. ولاعتبارات داخلية متعلقة باصلاحات جراحية مدروسة في قطاعات محددة …..

لا شك بأن انخراط النخب “اليسارية ” في مواقع صنع القرار الأردني لم يسهم مطلقاً في التخفيف من حدة الأزمة البنيوية المعقدة الذي باتت تعيشه الدولة ، و لم يكن وجودهم مؤثراً للحد من حالة الاحتقان العام ، ولم يشكلوا مطلقاً قنوات للتعبير عن رغبات الشعب ، أو الدفاع عن مطالبه على الرغم من تصدرهم للمواقع المعنية بالتنمية السياسية والانتخاب ، و لم يعودوا يشكلون أداة ضاغطة للتأثير في القرارات السياسية والاقتصادية العامة للدولة ، على الرغم من الشعارات ” البراقة ” التي ناضلوا من أجلها ، و التي كانت بمثابة “الأفيون ” الذي خدروا فيها المناضلين المسحوقين من أعضائها ، حتى باتت نخب التيار اليساري مدعاة للسخرية والتندر لدى قطاعات كبيرة من الشعب الأردني ، وهنا المفارقة الغريبة العجيبة .
أما التيار الاسلامي بمجملة والذي لطالما دغدغ مشاعر الناس بمناسبة أو بدون بمناسبة ، فقد تفكك لأسباب ومتغيرات عديدة ، وتجاذب نخبه ” حلم ” الانفصال وبناء مقاربات لمبادرات وجماعات تنازعتها المصلحة الشخصية ، والطمع في تحصيل المكاسب السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية ، وبات لا بواكي لهذا التيار العريض ، الذي كان في يوم من الأيام أحد رافعات العمل السياسي ، أما الدولة فقد استغلت بذكاء لعبة التناقضات لمحاولة الدفع باتجاه توظيف الطيف الاسلامي بألوانه المختلفة حسب مصلحتها ، ودفعت ببعض النخب الاسلامية المستقلة لتوظيفها والزج بها في مواجهة مباشرة مع بعض ما تبقى من أدوات قوة التيار الإسلامي خاصة في معاقلة الأساسية ، ودخلت في معركة كسر عظم غير مسبوقه ، وكان لها ما أرادت
المسار الثالث : لاشك بأن الحكمة والذكاء السياسي يتطلب نزع فتيل التوتر ، وأن لا يصبح الاحتجاج في الأردن بمثابة الخبز اليومي للممارسة السياسية.. ومما يزكي الرهان على استمرار الاستقرار في الأردن في حدود الزمن المنظور على الأقل ربما حرص الشعب الأردني على امن الوطن وإستقراره ، وعدم العبث بمقدراته ، على الرغم من كل أشكال البؤس واتساع رقعة الفقر، وازدياد ثقل وحجم المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الملحة، حيث يعرف الأردن عبر تاريخه الحديث أن اتخذت الحركات الاحتجاجية بعداً دمويا عنيفا، لكن علينا أن ندق جرس الانذار للأسباب التالية :

1 -لقد تجاوز الاحتجاج الاجتماعي عتبة النشاطات التقليدية للممارسة السياسية،على الرغم من عدم وجود قيادات مركزية توجه الاحتجاجات ، وتؤطر مطالبها ، وانتقل الاحتجاج من الهوامش والأطراف ومراكز المدن إلى قلب العاصمة عمان على الرغم من تواضع أعداد المشاركين فيه ، لكن الملفت الاصرار على استمرار الاحتجاجات ضمن الأجواء المناخية الصعبة ، و دخول العنصر النسائي وكبار السن على خط التظاهر .
2- الاحتجاجات وسقف الشعارات المرتفع وغير المسبوق ، والذي بات يعتبر رسالة سياسية واضحة ، و التي غالبا ما يكون ظاهرها مطالب اقتصادية وسياسية واجتماعية أساسية مشروعة، أما ترميزات رسائلها وباطنها فتحمل بُعداً ضد رموز الدولة الأردنية .
.
3- تطور وسائل الاحتجاج ، حيث أصبحت حالات الانتحار ، و بث المناشدات والرسائل والانتقادات عالية السقف التي تُعبر عن الغضب هي السمة البارزة لوسائل التواصل الاجتماعي ، والتي غدت نمطا جديداً للتعبير عن الاحتجاج ، والتعبئة ضد سياسة الدولة ، وباتت معه الدولة في موقع المدافع أمام السيل الألكتروني الجارف ،و للتتوسل الدولة معه من خلال وسائل تقليدية غير فاعلة ، ومن ضمنها الاستعانة بصحفيين ورجال اعلام لايصال رسائل عبرهم ،وبالمناسبة مع احترامي لجلهم لا يتعدى قرائهم و متابعيهم ،أعداد المهتمين بأسعار “الأفكادو” في الأردن ، وهذا ما يستوجب إجراء مراجعة سريعة لهذه السياسات .
في ظل الوضع الحالي باتت الحركات الاحتجاجية الحالية نوعاً من المشاركة القسرية في صناعة القرار السياسي بعد الغياب المؤثر والفاعل لمجلس النواب ، والنقابات التي يرى فيها المواطن أنها مشغولة بالتمرس ضد إرادته …. والتي تبدو وكأنها تعيش حالة غيبوبة ” سريرية “، وبالمناسبة كان الأردن إلى وقت ليس بقريب تؤطر فيه أحزاب المعارضة والنقابات وبعض النخب مطالب المجتمع الأردني ، ولم يبرز إلى السطح خلالها أية حركات احتجاجية يُعتد بها .
لكن الآن فقد تغير الوضع.. وأصبح الاحتجاج عُملة السياسة في الأردن ، وللمفارقة انضمت جحافل الوزراء والمسئولين السابقين وبعض الرموز “الديناصورات” الذي لفظ الشعب الأردني جلهم ، وكانوا على الدوام عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطن ، في محاولة غير بريئة منهم لصب الزيت على النار بعد أن انفرط عقد الصالونات السياسية التي فقدت تأثيرها كرافعة لافراز النخب وإعادة تدويرها للرجوع مجدداً إلى مواقع صنع القرار ، ومحاولة استغلال الأنشطة الثقافية والسياسية وحتى الجاهات والأعراس لارسال رسائل لاذعة إلى الدولة الأردنية لإعادة التذكير بوجودهم ، وإعادة ركوب موجة الاحتجاجات من جديد .
إن ازدياد ضغط مطالب المحتجين قد أفرز تحولا مختلفاً في المشهد السياسي الأردني ، والتي أصبحت تنمو تدريجياً خارج إطار المتعارف عليه في تاريخ الأردن السياسي ، وهو ما قد يعني أننا قد بتنا أمام ظاهرة خطيرة تستوجب من عقل الدولة الأردنية إدارة الأمور بصورة مختلفة وعقلانية قبل فوات الأوان .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى