
“لا تسأل … ”
هذا ليس شعارا بدون معنى …. فكل مواطن له الحق بالتنفس و الطعام و النوم او السهر و كل شخص ايضا له الحق في عدم الكلام و عدم البكاء و الصراخ و الانتحاب …. و لكن في الأردن ليس لك أي حق أن تسأل أو تتسائل … هذه حرية لها طرفين ….
وجدت طرزان ” الحقيقي”… و قد كان يركض في الغابة غير كثيفة الاشجار …. و يحاول الاختباء خلف شجرة السماق ….و لم يخرج الا بعد ان كانت الحكة قد نالت منه كل مبلغ …. فقد ساقته قدميه لمنطقة نبت فيها ” القريص ” اللعين … و راح يحك و يفرك جسمه بالشجرة ….. لاطفاء نار الحكة ….لم ادرك فورا ما الذي يحدث” اكذب و انافق و اعرف تماما ما الذي حدث ” …و كنت أظن ان هذا الرجل شبه العاري “مهسهس” او قد مسه صرف من الجنون و الاحتمال الأخير ” انني فعلا ضاوي” …. حاولت التكلم معه بالاشارة … ظنا مني بأنه تربى مع الذئاب و ربته الحيوانات ولا يستطيع الكلام ” مشتقا تلك الفكرة من افلام الكرتون و قصة طرزان تحديدا ” …. وبعد جهد ليس جهيدا …. نظر إلي و هو يبتسم … و قال لي بلهجة واضحة ” تفضل اشرب شاي “…. تساءلت متلعثما ” أأنت إنسان عادي …. لماذا هربت عندما رأيتني !!!”…. علت ضحكته اكثر هذه المرة …. ” هربت ؟؟! … ليس صحيحا …لقد إختبأت كي لا تخاف مني “….. “أعرف ان لديك الكثير من الاسئلة …. لن اجيبك على اي منها …. اذا رغبت ان تجالسني …على الرحب و السعة …. و لكن شرطي ان لا تسألني ..و اذا سألتني في أي لحظة ستنتهي علاقتي معك فورا ”
كانت اللحظات تمر ثقالا و انا محتارا في هذه الورطة …. و فضولي يقتلني و ينال مني …. و طرزان يستمتع بلحظات الصمت الآسر و هو يعرف انه يعذبني ….
ترددت عندما عرض علي “كاسة الشاي” لشكي بنظافتها و كوني ” منقرف “من طراز فريد …. لكن في حضرة الرجل شبه العاري …امسكت بكاسة الشاي و انا محتارا هل هذه زعتر بري أم حبق أم ميرمية ؟! …. و قبل ان أتعب في التفكير و التحليل …. قال طرزان ” زعتر بري و توالي ميرمية” ….
نظرت حولي لأتفحص المكان …أين ينام ؟ و ماذا يأكل ؟ و لم انشغل كثيرا بالبحث عن ملابسه …. و بفراسته …أجابني … “أنا كنت انسان عادي و قررت اتطرزن من اكمن سنة و جاي “…. نظرت إليه باستغراب …. طمعا بمزيد من الشرح و التوضيح … ”
تنهد طويلا …. قال انا ابن البلد و صاحب الفكر الألمعي و لي عديد من الكتب و المؤلفات و قد خدمت نصف عمري في الحكومة و تدرجت بالمناصب و خدمت ما بقي من عمري في القطاع الخاص …. و قد رزقني الله من فضله و كفى …. ألتف حولي أقاربي و أصدقائي و أقنعوني بأن أترشح للبرلمان …. لأنني حسب رأيهم ” زلمة قد حالي”
“طبعا بدأت مع المستشارين الذين لم أعينهم …نلف الارض جيئة و ذهابا …لم تتبق قرية لم أزرها و لا عزاء الا و شاركت به …. اضطررت ان املأ ” طبون ” سيارتي بعلب الماكنتوش لأي مناسبة طارئة …. ناجح توجيهي … أو عمل قسطرة …أو نجح بالانجاب بعد اربع عشر سنة زواج… عرس أو جاهة … صلحة أو عطوة ..”…. نظر الي و هو يستل سيجارة من باكيت خبأه باحتراف بين وريقات الشجر …. ” تذكرت انني لا استطيع أن اسأل ” و قال لي دون ان ينظر إلي ” شكلك ما بتدخن…!!”….تابع حديثه و هو يدخن …. “طبعا صار بيتي كأنه قاعة إحتفالات …. تفوح منه رائحة الجميد و المليحية …. و لا تهجرنا “نملة الذر” من بقايا الكنافة المهدورة هنا و هناك ”
“اضطررت للاستدانة و رهنت سيارتي و بيتي لتغطية التكاليف ….”
و بشوق و بدون انتباه سألته …”و هل نجحت ؟!”….. ضحك كثيرا …و قال لي: ” هذا فراق بيني و بينك “…..
” كنت عارف انك راح تسأل …. !!!! ”
” دبوس فضولي بدون سؤال ”



