
طعم الكتابة
للكتابة طعم يشبه طعم القبلة الأولى في صفحة حبيب غائب ، خطفته غوادر الأيام إلى تيه بعيد ، وظل الظمأ عنوان العيون الساهمة ، وهمس الشفاه الحائرة ، وشوق الأنفاس المشتعلة . هي الكتابة إذن ، دنان العطاشى في هواجر القوائظ ، ودليل الراحلين في حوالك الدواجي ، ومواضي المعورين في سهوب الغدر ، حيث لا دليل سوى فكرة ، ولا انتصار إلا إنسانية الإنسان ، ولا خلاق إلا عدل يمنح الحياة قيمة ، والوجود معنى ، والأرض وارث .
بهذا المعنى كتبنا على صفحات سواليف ، وكنا في كل مرة نشعر بالتقصير والعوز ، وكانت الخيانة عنوانا خفيا ، والخوف داء مستمكنا ، وكنا في كل مرة نكذب على أنفسنا ، بأمل بعيد ، وجنين ميت ، وزمن حر لا استعباد فيه ولا ذلة . كتبنا مئات المقالات ، وآلاف الفكر ، وفي كل مرة كان الباطل يزداد تماديا ، يمارس القوة ، مستكبرا ، مستهينا بكل ما قيل وما سيقال .
وفي كل مرة كنت أشعر بوحشة ناهزة ، ووحدة قاتلة ، وضياع جهد دونما طائل ، ووقت دونما نائل ، وكنت أواجه معارضة تقل أو تكثر ممن رافقني الجنب ، وشاركني المصير ، يضربون المثل ، ويسوقون العبرة ، وكنت اندفع في مشواري ، واتوغل في مسيرتي ، رغم الصوت اليتيم ، فاللئام لا يعرفون عشرة ، ولا يوجبون عشيرا .
واليوم تزداد الغربة ، ويضيق خناقها ، فأفكارنا وافدة ، و ” أجندتنا” وافدة ، وعروقنا وافدة ، وهذا العالم ليس لنا ؛ أن نكون مشاهدين فقط ، وصامتين فقط ، وعابرين فقط .
لم تبخل سواليف ، وربما غامر الزعبي ، فنقل الصوت ، وحمل الفكرة ، واقترب ونأى ، وظل وفيا على قدر الطاقة ووسع الجهد . ومضى ، ومضت بنا أيام وشهور وسنوات .
واليوم ، لا جدوى مما لا جدوى منه ، فالصحيح ممنوع ، والصواب مقموع ، والخطأ شائع رائج ، مستول غامر ، ولا راد لقدر الله .
لسواليف محبتي ولكل قرائها حيثما كانوا .


