
صورة المعلم : النموذج الحالم والواقع الكئيب
#شبلي_العجارمة
أنا مخضرم الوطنية الوظيفية ، فقد عشت الجندية ،وها أنا أعمل معلمًا، هناك كان يحدني ميدان وحرية محدودة ،وهنا يحدني صباح مكرر وجدران أربعة ، أتعايش مع مخرجات التعليم المشوهة ؛ طالب كوروني يكتب مثال جملة النحو ويرقمها بالإنجليزي ، ويكتب اسمه باللغة الإنجليزية على اختبار العربية لغتي الجديد ، لكنه في مادة اللغة الإنجليزية يجيب على الدوائر بأحجية ( حدرة بدرة) .
لي صديق من خارج رحم العملية التربوية ، شاء الله تعالى له أن يعمل آذنًا في إحدى المدارس ، وصديقي هذا مدخن شره ، ونظرًا لظروفة البرجوازية يقوم كل جمعة بالنزول إلى وسط البلد ليشتري دخان هيشي فاخر وعلبة لف سجائر من إحدى حانات عمان المختصة ، صديقي يستغل أوقات فراغه بلف العدد الكبير من السجائر ليدخنها في تعليلتنا على إبريق الشاي الذي يحبه حد العشق ، وحين قلت ذات تعليلة : لي أخ رأيته يدخن لف مثلك تمامًا ، فضحك صديقي بعد أخرج السيجارة العاشرة من علبته المعدنية اللامعة ليشعلها وقال : يا صديقي أنا في المدرسة ثلاثة أرباع المعلمين يدخنون مثلي لف سجائر عندما يجلسون في استراحتهم بعيدًا عن الطلبة.
قبل عدة أيام ذهبت لأفرغ إجازة مرضية حقيقية في مركز البنيات الصحي ، وأنا أسأل عن مدير المركز لتعبئة نموذج ٨١ لإجازتي المرضية، التقطني على الباب شاب في الاستعلامات وقلب الباج الذي يحمل اسمه ، وناداني إلى لوحة تعليمات في آخرها بند يقول : يمنع تفريغ الإجازات المرضية للمعلمين ، فخرجت دون أن أجادله ، فمن كتب القرار هو مثل هذا الشاب الذي ينفذ تعليمات المعالجة، تلقى علمه على يد معلم وحين وصل إلى سدة الوزارة كافأ المعلم بتضييق حتى حرية المرض والألم متذرعًا بأن الظاهرة منتشرة باستخدام أساليب التمارض من قبل المعلمين .
للأسف تم تفصيل جميع القوانين التربوية لتحجيم دور المعلم ؛ تربويًا واجتماعيًا ، بالمقابل تم فرعنة الطالب ومنح السواد الأعظم من أولياء الأمور المزيد من المساحات لمنازلة المعلم المتخندق خلف وضعه المادي ، ووضعه التربوي ، ونموذجه الإنساني الجريح ، باختصار الحكاية : تم نزع العصا من يد المعلم ولم يتم كسرها ؛ بل تم منح عصوات أخرى لطالب وولي أمره.
المعلم الذي تتناهشه كلاليب الإدارة وكتب التعليمات وكل السياسات التعليمية غير المدروسة على أقل تقدير واقعيًا ، بات أقل حلقات المجتمع مكانةً حقيقية ، إلا من فرديات لا تتجاوز أصابع اليد .
أعجبتني عبارات لإحدى المشرفين الذين كنت بمعيتهم في إحدى المدارس الخاصة ، قال : نحن الاختصاص المشاع ، والذي بات ينتقده العالم وغير العالم ، فالميكانيكي لا يستطيع نقده إلا ميكانيكي مختص ضمن مجاله ، والمهندس لا أحد يجرؤ على أن يحط من قدر عمله إلا مهندس مثله ، إلا نحن المعلمين ، بتنا واجهة نقد لربة البيت التي تقوم بفرم البصل في المطبخ تنتقد الخط ، أو عدم وضوح الكتابة على السبورة ، وحين نعرف مستواها التعليمي تكون غير متعلمة ، وتتحدث عن جمال الخط ولونه لا أكثر .
المعلم قصة موجعة بين السرد الحقيقي لواقعه وبين الروايات الإعلامية ، والمعلم بات واجهة الفشل التعليمي والتربوي الافتراضية في كل أنحاء المدارس الحكومية ، والمعلم أصبح الشماعة المتهالكة لتعليق قمصان الأخطاء وثياب الخطايا ثم مسح السكين في رقبته النازفة منذ أن جردناه من سيفه الخشبي ولم نعطه درعًا فولاذية نضمن بها سلامته النفسية والجسدية !

