“على خير ما يرام !! ” / صهيب عمر طويط

“على خير ما يرام !! ”

هذه القلوب النابضة بين الضلوع، و التي أودعها الله فينا أمانة كالأرض الخصبة، التي إما أن نزرعها فتكون واحة خضراء، أو أن نتركها خالية فتؤول إلى صحراء، هي حديقة إن زرعت بأجمل الأزهار، و انتقينا لها أفضل البذور، و التفاؤل هو البذرة المثمرة التي تزيّن حدائق قلوبنا بثمارها، و التي تحتاج إلى العناية و الري في كل يوم، كي لا تذبل.
إن النظرة الإيجابية للأحداث، و نزوع النفس نحو الجانب الافضل، و توقع أفضل النتائج، و انشراح القلب بكل الاحوال، يعد هو التفاؤل بعينه، لا أن نوجّه أنظارنا إلى السلبيات و تضخيمها، وأخذ سيئات الأمور وحدها، و البقاء في دوامة اليأس.
و يأتي ذلك بالتركيز على حل المشكلات، بدلا من إضاعة الوقت و الجهد في الحديث عنها، و التفكير الغير مجدي بها، فنجد الحلول و نبدأ بتنفيذها مع القناعة بإمكانية تحقيقها.
فالإنسان إذا اعتمد على أشياء غير موجودة، و حلول غير منطقيه مع الركون إلى الراحة، وعدم التوجه الى العمل، فلن يأتي ذلك بثماره، بل يسمى تفاؤلا أبله، أما إذا اعتمد على أمور واقعية و منطقية، ثم أتبع ذلك بالعمل الدؤوب و الجهد المطلوب، صارت النتائج أقرب للحدوث، و كان العملُ لبذرتنا سماداً يُؤمّن لها التغذية المتكاملة، و يحرص على زيادة سرعة نموها، فتُنشّط و تُطور هذا النمو.
و الأشخاص المتفائلين لديهم قدرة فعّالة على حل المشكلات، و تجاوز الأزمات مهما كان حجمها، و ذلك لأن العقل يكون مرتاحاً لديهم، و يفكر بطريقة سلسة، لا تتطلب الكثير من الطاقة والجهد، إنهم بهذا الحال يعيشون في راحة نفسية و سعادة كبيرة، فلا شيء يعكر صفوهم، فهم يرون -بل على يقين- أن الأمور ستكون على خير ما يرام، و ان جميع المشاكل ستُحل، و أن ما حصل كان حدثاً عابراً، وكان خير أيضا.
كما أنهم يملكون جاذبية خاصة تميزهم عن غيرهم من الناس، بتلك الابتسامة الجميلة، المرسومة على وجوههم المشرقة بالأمل، فتجد الجميع يميل إليهم دون تفكير، وهذه طبيعة بشرية، فالناس يحبون الشخص المبتسم، الذي ينشر الإيجابية حوله أينما ذهب، مما يجعلهم أكثر مرونة في التعامل مع الآخرين، وينمي الروح الاجتماعية لديهم أيضا، فيكسبون بذلك حب الناس وحسن معاشرتهم.
ولنا في النبي –صلى الله عليه وسلم- خير مثال في نشر الابتسامة و التفاؤل بين الناس، فتراه حتى في أصعب الظروف متيقنا بالفرج.
“لا تحزن إن الله معنا” هي جملة مليئة بالمعاني، بل هي دعوة عظيمة للتفاؤل اختصرها النبي –صلى الله عليه وسلم-، ولعلنا نزداد تأثراً بها حين نعلم أين قالها؛
فلم يقلها في نزهة، أو في رحلة استجمام، أو رحلة صيد مثلا!!!
بل قالها في أصعب و أخطر المواقف التي مر بها على الإطلاق، حيث كان في ذلك الغار، و أقوى الفرسان يتربصون به، ما كان منه إلا أن تبسّم ثم قال لصاحبه ” لا تحزن إن الله معنا”، فجاءه الفرج.
وهذا دليل على صدق إيمانه، و حسن ظنه بالله –عز وجل- وأن أمر المؤمن كله له خير.
إن من سمات إيماننا و حقيقته، أنه إذا أصابنا أمرٌ لا نحبه، لا نجزع ولا نتشاءم، بل نستبشر خيراً، و نقول أن الخيرة في ما يختاره الله، و كم من حدث يأسنا منه و قلنا ليته لم يحصل، لنعلم بعد حين أن الله -جل وعلا- قد اختار لنا و لم يتركنا لجهلنا وضعفنا، فهذا حال المؤمن متفائل مبتسم.
فإذا نظرنا إلى الأمور بإيجابية، صار تركيزنا أكبر على الجوانب الأكثر أهمية، و نزيد بذلك الفاعلية في التعامل مع الأحداث، و هذا من شأنه أن يريح تفكيرنا و نفسياتنا، وكل ذلك ينعكس على جمال شخصية الواحد منا و حسن تعامله مع الآخرين، وهو دليل أيضا على صدق الإيمان و حسن التصرف و التدبير، لذلك و حتى نرى أزهار بذرتنا زاهية، لا بد من ريّها بالعمل و الإيمان، فتنمو مسرعة بأمان، ثم ثقة و ابتسامة..كفيلة بالاستقامة، ثم صبر على ما نكره، ليفوح العطر كله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى