
هل القرآن بحاجة الى إثبات؟
كثيرا ما يضيق صدر من شرح الله له بالإيمان صدرا بأقوال المشككين في كون القرآن الكريم مصدره الله تعالى، لأن أغلبهم لم يقل ذلك عن فحص وتمحيص، بل قد لا يكون قرأه، لكنه كوّن انطباعا خاطئا مرده الترديد الغبي لمقولة أن القرآن منسوخ من التوراة، أو حفظ عبارات جوفاء متعالية مثل: لا أومن بالغيبيات.. بل بالعلم التجريبي فقط!.
التشكيك مذهب عقلي إن كان بهدف التيقن، أما إن كان لتبرير الرفض فذلك مراءٌ لا طائل وراءه.
لذلك فإن كان المشكك باحثا عن الحقيقة، وصادقا في إدعائه بأنه يريد ليقنع عقله لتستقر قناعاته، فالأمر سهل، ولا يجوز أن يطلب عشرين إثباتا باتأ مانعا، بل يكفيه إثبات واحد، لأنه اقتنع بنظرية فيثاغورس بإثبات واحد وبقوانين نيوتن بدليل واحد.
القرآن ليس رواية تاريخية ولا هو حادثة حدثت وانتهت آثارها، بل كتاب مسطور، أي هو كيان مادي متوفر وجوده في كل مكان، لذلك من سفه العقل القول بأنه أمر غيبي أو حدث ماضوي.
محتواه وصياغته مفهومة لمن يتقن العربية، لذلك لا يبقى إلا مسألة واحدة: إثبات أنه كلام الله، وبعدها يغلق المشكك أبواب الهرب بيديه، فلا مجال له إلا الإيمان بما جاء به واتباعه وترك أي منهج يناقضه.
في المنهج العلمي التجريبي، عندما يضع عالم نظرية جديدة يلزمه زيادة على إثبات صحتها، أن يقدم وسيلتين على الأقل لنقضها، وعندما تفشل هذه الوسائل في ذلك، يكون هذا دليلا إضافيا على صحتها، فمثلا عندما قدم أينشتاين نظرية النسبية قدم معها فرضيتين نقيضتين عزز عجزهما عن نقضها صحتها.
القرآن الكريم مُزوَّدٌ بذاته بالعديد من فرضيات نقضه، وتعددها جاء لتتناسب مع معارف كل عصر قادم، فما كان مناسباً لعصر نزوله الذي كانت فيه البلاغة والفصاحة معيار الإعجاز، فقد جاء بشكل تحدٍّ على ثلاثة مستويات: (1):”قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا”، (2): “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ”، (3): “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ”.
وظل هذا التحدي قائما من غير أن يجرؤ أحد عليه، لكن ما هو أبلغ منه هو الصياغة المعجزة للمعلومة بكلمات محددة لكنها كلما تقدم علم الإنسان وجد لها تفسيرا يتواءم مع ما استجد، أي يتطور فهم الإنسان للمعنى من غير تغيير الألفاظ، مثال على ذلك:” هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا” [يونس: 5] ، فعندما كانت معارف البشر تعتبر الشمس والقمر مصدري الضوء اللذين يدوران حول الأرض، كانت الصياغة تناسب ذلك، لكن حينما عرف أن الأرض تدور حول الشمس والتي هي نجم ملتهب والقمر تابع يدور حول الأرض فهم التفريق في الوصف، وفهم عندها لماذا خص الشمس بقوله:” وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا”[النبأ:13]، وعندما اكتشف آلاف الشموس عرف لماذا قال تعالى “سراجا” ولم يقل السراج.
هنالك العديد من الأمثلة المماثلة، في وصف الكون ونشأته والجنين وتطوره والظواهر الطبيعية، ولا شك أنه كلما تقدم علم الإنسان سيكتشف غير ذلك من كنوز المعرفة الكامنة في القرآن أولا بأول.
لا شك أن من آمن بالله وأيقن بأن القرآن كلامه، لا يمكن أن يعود عن إيمانه، فالمتعلم لا يعود الى الأمية، والعالِم لا يعود الى الجهل.
لكن الحاجة الى إثبات أن القرآن كلام الله تبقى قائمة، وفي كل العصور، وهو حق لمن لم يعرفه بعد، وواجب على من عرف.



