سيرة حياة مبدع:المعلم شحادة والتراث السيرلانكي! / د . ماجد الزبيدي

سيرة حياة مبدع:المعلم شحادة والتراث السيرلانكي!
لم يكن من احد في القبيلة يعتقد للحظة ان قريبي شحادة سلامة المريعي يمكن ان يكون معلم مدرسة فهو في في الصفين الأول والثاني الثانوي قبل التوجيهي لم ينجح في مواد اللغتين العربية والانجليزية ولا في مادة التاريخ! فضلا عن إستخداه لتسعة عشر حرفا فقط من مجموع حروف اللغة العربية ،لأنه يدمج مثلا حروف السين والصاد والزين مع الثاء في حرف واحد،ويأكل حرف الراء،ولا يفرق بين حرفي الضاد والظاء:لاكتابة ولا نطقا،مثله مثل كثيرين من بين أقربائي المنتشرين ،سيما منهم متنطحو الإنتخابات والدواوين ومُصفطي الحكي وطق الحنك والتنظير في السياسة المحلية والإقليمية والدولية ،وجميعهم لم يحضر ندوة سياسية او قانونية “محرزة” ولم يشتر واحد مهم كتابا طيلة عمره المديد!

لكن “حظ”قريبي شحادة ،يفلق الصخر –كما يقول ربعنا- إ نجح في امتحان الثانوية العامة بمعدل 57 في المئة،بعد ان خان احد مراقبي الإمتحان واجبه الوطني والأخلاقي والمهني ،و”غششّ”من في القاعة من دفتر طالب نشيط في مواد العربي والإنجليزي،ولولا ذلك لكان حلم شحادة بشهادة الثانوية العامة /الفرع الأدبي كحلم إبليس بالجنة،أو ، حلم قرايبنا في لواء بني زيد ودرداح ،بقبة البرلمان!!

وقد كان لنجاح شحادة ان دخل “معهد معلمي حوارة والصريح وشطنا لإعداد المعلمين” وتخصص في التربية الإجتماعية،وتم تعيينه فورا معلما للصف الثالث الإبتدائي/الشعبة “واو،ومربيا للصف ذاته،”بسبب ولادته وسكنه في أكثر مناطق الوطن والعالم حرمانا وفقرا وحرّا وناموس وذباب!في حفرة الإنهدام التي تبدو في الصيف كمنطقة من مناطق “هيروشيما”أو “ناغازاكي”المنكوبتين في سالف الأيام الغبراء!!
كانت قرية شحادة كأنها قطعة من واد يابس كالح ،يحرثُمعظم اقاربه على الديك –كما يقولون- كناية عن العوز الشديد،ذلك ان معظم وجباتهم كوسا حوس مع بندورة او بطاطا مع بندورة او فول مع بندورة او زهرة مع بندورة او بيتنجان مع بندورة او بيض مع بندورة او رز مع قشر بندورة او بامية مع بندورة..يلعن تين البندورة وابو البندورة شو كرهناها في الغور!!!”هو من هيك هي مسخوطة بالسعر.كله بسبب دعوات الجائعين المشتاقين للمقلوبة والمسخن والدجاج المحمر وما شابه ذلك…”!

كان شحادة يعتقد ان الواجب الوطني هو تدريس القواريط بالمدرسة من خلال التسميع:إقرأ ياعقله؟إكمل بعده يافتحي؟تابع بعده ياشفيق؟ ليش نايم ياخميس؟وين صرنا ياجمعة؟ قيام ..جلوس..كتفوا إيديكم وناكوا ربع ساعة!!الجميع تسميع:النشيد الوطني! غني ياضاحي قصيد بدوي؟ علمنا ياخليف الدحية…إلى غير ذلك من المهارات المتشابهة التي يكررها يوميا قريبي المعلم شحادة!الذي أقسم من زامله خمسة عشر سنة أنه لم يشتر كتابتا واحدا أو يشتر جريدة يومية لمرة واحدة ،أو حكى جملة معترضة في القضية الفلسطينية وحرب لبنان والحرب العراقية –الإيرانيةKإذ كان الرجل ومايزال بعد خروجه للتقاعد من أشد المؤمنين أن الحكومة وضعت فوق كل لسان ،رقيب يسجل الحركات وموج الشفايف ،إلى درجة أنه كان يهمس همسا عندما كان يضطر لرد السلام بالشارع ويستخدم يديه وأصابعه للتعبير عن الكلمات ،مثله مثل معظم قرايبي في حفرة الإنهدام ،من الذين يعبّرون بأيديهم،بدلا من السنتهم!
وبإختصار شديد كان شحادة مواطنا صالحا بإمتياز ،فهو يمثل تمثيلا صادقا مبادىء عدم الإنحياز،وكانه تلميذا نجيبا لجوزيف بروز تيتو!!أو أحمد سوكارتو !علما انه لم يسمع بهم حتى اللحظة!واحيانا تعشق الأذن قبل العين!!وهو لم يتم إستدعاءه ولو مرة واحدة من قبل المخفر او المتصرف او مكتب دائرة الجنة والنار معا! يمشي كشيوخ الجوامع الذين تابوا متأخرين بعد حياة حافلة بالنطنطة والتشبيح واللعب!!! ويصيح كالأبكم إذا ماناداه شرطي يسأله عن بيت من البيوت لتبليغ أصحابها !
هذا مانقله للكاتب جار شحادة سالف الذكر ،المدعو ابو سكينة ،لكن أكثر الروايات إثارة الحادثة الفظيعة التي حدثت مع الأستاذ شحادة عندما نقلته وزارة التربية إلى مدرسة إبتدائية غرب مدينة إربد وبالتالي إضطراره للسكن في بيت عبارة عم حوش مؤلف من غرفتين وحمام خارجي غرب كراج الغور في شارع متفرع من شارع العروس !
ومُلخص الحادثة ان ساحة البيت مع غرفتيه مكشوفة لعمارة مؤلفة من ثلاثة طوابق تبعد عنه بين ثلاثين إلى خمس وثلاثين مترا تطلُ من طابقه الأخير إمرأة اخذت تغازل قريبي الأستاذ شحادة من طرف واحد كلما انهى دوامه الدراسي وإنكشاف غرفتي البيت لشباكها!
صمد شحادة لإسبوع واحد بعدم التلويح للمرأة أو التأشير لها بحركات ذات دلالة،إلأ انه كان دائم التطلع إليها لايتحرك ابدا بينما راحت هي ترسل له القبلات باليد إلى أن ان جاء الأسبوع الثاني فلم يعد ابو دبلوم الإجتماعيات من “معهد معلمي حوارة والصريح وشطنا” أن يتحمل الإغراءات فأخذ يرد على صاحبة الشباك السلام من بعد!بغشارات تبدو وكأنه يحك رأسه خوفا من ان يراه أحد على غرار عادات أهل الغور!
أرسلت المرأة ذات يوم ورقة مع طفل من الشارع للستاذ شحادة بلغة عربية منتهية الصلاحية جاء فيها :”أنا حبك وايد!أنا إسم ماريا ..أنا فيه إنت لقاء غدوه مكتبي بريد إربد ..انا لا أولاد ..أنا إنت نتجوز!”!
إحتاج شحادة لبضعة ساعات لفك شيفرة المرأة التي لم يرها من قرب !لكنه كان يرى حركات يديها فقط!فظن من لغة الرسالة أنها إمرأة أجنبية ،وعرف أنها اعطته موعدا للقاء يوم الجمعة عند ساحة البريد بشارع بغداد حيث يتجمهر عمال اجانب من الفلبين وبلاد شبه القارة الهندية والكوريين الذين كانوا ينفذون مشاريع إنشائية في منطقة الغور بعد ان قضوا على الثروة الحيوانية الضالة كالكلاب والقطط!التي تحولت لوجبات مشوية لصدقائنا الكوريين !
كان شحادة يكره شعوب تلك البلدان سالفة الذكر ولايرد عليهم السلام ربما لنه لم يغادر الغور إلأ لمعهد حوارة والصريح وشطنا وتاليا لمنطقة كراج الغور !وكان يسمع ان نكبة البوسنة والهرسك قد جلبت هجرة صبايا جميلات شقر مسلمات طويلات يزيد طول الواحدة منهن عن طول فتاتين من فتيات قليعات والحراوية والمشارع وتلك الديار المنتهية الصلاحية! فظن ان التي تؤشر له من الشباك واحدة منهن!فطمع بالفوز بواحدة يغيّر منها نسله الواقع بين البني والأخضر!ثم أنه زواج غير مكلف البتة!
إستيقظ شحادة باكرا صباح يوم الجمعة وإستحم بصابونة نابلسية ماركة مفتاحين وتعطر بعطر فوّاح مثل ذلك الذي يستخدمه أشقاؤنا الباكستانيون والعومانيون وشيوخ جوامعنا في القرى والمخيمات !!وكان أمام البريد المركزيبين عشرات من رجال ونساء من الشعوب سالفة الذكر!تارة ينظر ناحية اليمين واخرى للشمال مثا اطرش بزفة غوارنة الختيار يدبك والعجوز الجدة تغني وترقص والشباب دايخيين من عشق المجوز!إلى أن إرتجف فجاة وكاد قلبه ان ينفطر عندما شبكت إمرأة ذراعها بذراع ولدنا شحادة،وكان طولها حوالي المتر ونصف المتر إلأ تسعة سنتمترات ،محلروقة الوجه واليدين كانها خارجة من فرن عمي المرحوم الشيخ ابو احمد ببلوك 2 بمخيم عزمي المفتي أو احد أفراننا التي تعجن الطحين مع الرمل والغبار !
قالت له :يا الله نروح ..انا ماريا من سيرلانكا!
كانت المرة الأولى التي تلتف فيها يد شحادة على يد إمرأة غير يد امه حمدة أو شقيقتيه خزنة وخالدية مما جعله يتكهرب ،لم ينبت ببنت شفة –كما يقول العرب-وكعادته دوما لم يمسك بزمام الأمور (الأمور عرفناه!بس شو معنى زمام؟)
أخذت ماريا ولد عمي شحادة وسحبته بإتجاه ميدان وصفي التل وأدخلته دون حركة منه لمطعم طبيخ طالبة نصف دجاجة مشوية وصحن أرز مع صحن شطة وصحن فاصوليا بيضاء وقنينة ميرندا!!مما جعل لون بشرة ولدنا شحادة الحنطة تقلب للون الخمري من الخجل والدهشة !
وبينما كان “الحبيبان”يأكلان ،قالت فاتنة الجمال ماريا لولدنا شحادة:أنا حب إنت ..إنت فيه حب أنا !أنا جوز أنت جوز انا !أنت روح غدوة محكمة..انا روح معك محكمة .أنا فيه جوز في سيرلانكا ..انا طلاق معه !!
وأضاف الشيخ ابو سكينة جار شحادة وناقل القصة للكاتب :لم يرد ولدنا شحادة ببنت شفة ولا بكلمة واحدة بل كان يحرك رأس دلالة على الموافقة إلى أن تمكن من العودة للبيت وإستطاع خلال ساعتين العثور على بيك اب وترحيل عفشه والنزول ألى بيت أهله في منطقة وادي اليابس بحفرة الإنهدام حيث الحرارة طيلة خمسة شهور تتيبس خلالها العقول والأرواح عازما على الإرتباط ببنت خالته وطفه التي انهت الصف الثالث الإعدادي /الشة واو ،لقطع الطريق على بنت “ابو نيع مايل” مختار حمولته الذي يريد ان يزوجه بنته صبحا التي تكبره بسنتين!
وهكذا إستفاد المعلم شحادة من غربته بأن حفظ التراث الفني السيرلانكي الذي مطلعه:”أنا فيه حب إنت ..إنت فيه حب انا ..أنا فيه جوز أنت ..انت فيه جوز انا”ثم حفظ التراث الوطني الغوراني الذي مطلعه:طلبت الإسم وتقولي فاطم… يا محلى البوسة على البراطم”!! ومن الطبيعي أن براطم فاطمة وأمثالها في منطقتنا تزيد عشرة أضعاف حجم مثيلاتها في العالم الراقي !والله يعين قرابتي شحادة على براطم فاطم!@!16/3

مقالات ذات صلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى