
ثقافة العيب ، أم عيب الثقافة ؟
قد يكون هذا المصطلح ( ثقافة العيب) مصطلحاً يتم استخدامه في لغة الإقتصاد ، لكنه في حقيقة الأمر لو ابتعدنا عن الإصطلاحات واقتربنا من الواقع نكتشف أن ثقافة العيب آفة إجتماعية يجب دراستها والعمل علي حلها .
تختلف أبعاد هذه المشكلة من شعب لآخر ( على المستوى الدولي ) ومن مجتمع لآخر ( على المستوى المحلي ) ، وعندما نتحدث عن بلدنا الأردن نكتشف أن هناك مجتمعات كانت ومازالت ترى في بعض المهن والوظائف عيباً في حق جزء من الناس فيها ، أو طبقة معينة ، في حين أنها غير ذلك بالنسبة إلى طبقة أو فئة أخرى ، أي هي عيب جزئي ، وهذا يرتبط بتفكير طبقي بحت .
دليلي على ذلك وعلى سبيل المثال وليس الحصر ، ففي المجتمعات البدوية الرّعوية منهم من عليّة المجتمع لا يمارسون رعي الغنم أو رعايتها فالشيخ وأبناؤه هم فرسان وأصحاب السيادة ، أما المهن الخدمية فلها أهلها من داخل القبيلة أو خارجها ، ومنهم الذين يقدمون الخدمة .
أصل المشكلة في الأردن ونشأتها بدأت قديماً عندما كان للوظيفة الحكومية بريق ورونق وبريستيج ، وينطبق ذلك أيضاً على وظيفة الطبيب والمهندس والصيدلاني وغيرها ، غادرنا أريافنا وقرانا الجميلة للعمل في العاصمة في المكاتب ولبس البدلات وربطة العنق ، والآن وبعد أن أصبحت الدوائر الحكومية مقتضة وتعاني من البطالة المقنعة أصبح من الصعب على جيل كامل العودة إلى المهن التي كان عليها آباؤنا وأجدادنا .. أصبح عدد خريجي الجامعات كبيراً مقارنة مع أصحاب المهن ومن الصعب أن يعمل الجامعي بمهنة لأن تلك المشكلة تأصّلت وأصبحت ظاهرة بل هي آفة يجب محاربتها ووضع حلول سريعة لحلها .
تتحدث الحكومة الأردنية رسمياً عن وجود ٩٠٠ ألف عامل وافد ( مليون إلّا شوي ) من شتى الجنسيات العربية ، ٥٠٠ ألف عامل يحملون تصاريح عمل رسمية والباقي يعملون خارج مظلة القانون !!
هذه العمالة داء قاتل للشباب والاقتصاد ، فهم ينافسون شبابنا النائمين في البيوت انتظاراً للوظيفة الوردية التي في حقيقة الأمر لن تأتي ، وبنفس الوقت يقومون بتهجير العملة الصعبة من بلدنا الحبيب إلى بلدانهم ناهيك عن مشاركتهم لنا بالكثير من القطاعات المدعومة كالخبز والمياه ( وبالمجّان ) التي نحن فقراء بها ونقولها بملئ الفم … فالحكومة تأخذ من العامل الوافد ٤٠٠ دينار رسوم تصريحه السنوي وتدفع بالمقابل معونات وطنية للشباب العاطل عن العمل أضعاف ما تأخذه !! وكأننا نتاجر بالبيض على طريقة ( جحا ) !!
آن الأوان حتى يستيقظ الكثير من أبناء بلدي من غفلتهم وسباتهم ، دقت ساعة الخروج من عباءة العيب والإنخراط بسوق العمل الواسع المليء بالفرص الضائعة على شبابنا بسبب هذه الثقافة المقيتة ..
على سبيل المثال لا الحصر فإن :-
أجرة العاملين في الإنشاءات تتراوح بين ٤٠٠ و ٥٠٠ دينار شهرياً ، وأكثر من ذلك عند ( المعلّم ) .
أجرة العاملين في المطاعم والفنادق وخدمات الطعام والشراب نفس الرقم السابق تقريباً .
أجرة العاملين في غسيل السيارات مع ( التب ) تتجاوز ال٦٠٠ دينار شهرياً .
والكثير الكثير من الأمثلة الواقعية والبعيدة عن الخيال ، كلها فرص تضيع على شبابنا الجالسين في خندق الإنتظار للأحلام الوردية التي لن تتحقق أبداً ..
للأسف أقولها : العيب ليس في نوع العمل ، العيب فينا نحن ..
حل المشكلة أولاً يبدأ من الأسرة وتحوّل عقول الآباء والأمهات من فكر إلى فكر وزرعه في عقول الأبناء منذ الصغر لضمان مستقبلهم ، وثانياً من الحكومة والجهات المختصة بايجاد الحلول الملائمة لضبط سوق العمالة وتنظيم العمل في السوق وضرورة تنفيذ برامج تدريبية للشباب الأردني من أجل التغلب على ثقافة العيب ..




