
#د.عبدالحكيم الحسبان
إذا كان لي أن اصف العصر الذي نعيش فيه لجهة علاقة الإنسان تاريخيا مع المكان، فأنني لن أتردد في القول أنه ومنذ القرن السادس عشر باتت المدينة وثقافة المدينة هي مركز صناعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الحديثة. ففي حين عاشت بالبشرية لعشرات آلاف السنين لا ترتبط بالمكان ولا تستقر فيه بسبب بحثها عن الطرائد والفرائس التي تقتات عليها، أدى اكتشاف الزراعة قبل حوالي العشرة آلاف عام إلى بداية نمط جديد في العلاقة بين الانسان والمكان. فقد أىى اكتشاف الزراعة إلى تكون المستوطنات البشرية الاولى وحيث عرف الانسان لاول مرة علاقة ثابتة مع المكان.
وفي حين مثلت “القرية” التعبير القوي والصارخ عن حقبة الإقطاع التي استمرت لأكثر من ألف عام ، وحيث الفلاحة والعمل في الأرض هو أساس الحياة ومصدر السياسة والهرميات الاجتماعيات السائدة، فقد استبدلت المدينة القرية وباتت هي التعبير الفاقع والصارخ عن هوية الحقبة التاريخية التي فيها نعيش. فمنذ القرن السادس عشر تتجذر ظاهرة المدينة في مقابل تحلل ظواهر البداوة والترحال وفي مقابل تحلل ظاهرة القرية.
وإذا كانت المستوطنات البشرية الأولى لم تكن لتستوعب أكثر من عشرين او ثلاثين شخصا في المستوطنة الواحدة، فان مدنا مثل باريس أو لندن في عصرنا الحالي بات بإمكانها ان تستوعب عشرين مليونا من الناس يعيشون ويعتاشون ويتفاعلون في بقعة جغرافية صغيرة. إن عصرنا الحالي هو عصر المدينة وعصر ظاهرة المدينة بامتياز، بنفس القدر الذي كانت فيه القرية تجسد ثقافة القرون الوسطى وثقافة الاقطاع. فالمدينة وثقافتها باتت رمزا للحياة الحديثة، وتجسيدا لروح العصر الذي نعيش فيه.
أسوق هذه المقدمة، كي أتحدث عن النقاش العام الذي دار في البلاد حول مشروع القانون الجديد لأمانة عمان المقدم من الحكومة وحيث يقترح القانون نفس الآلية القديمة لاختيار أمين عمان. فالأمين تسميه الحكومة ويصدر قرار تعيينه بإرادة ملكية وليس بقرار من أربعة ملايين مواطن أو دافع ضرائب أردني يدفعون للخزينة كما لخزينة أمانة عمان ويعيشون في هذه المدينة ويصنعون الحياة فيها. وعلى النقيض من كل البلديات في المملكة التي يبلغ عددها حوالي التسعة وتسعين بلدية يمكن لساكنيها أن يختاروا رؤساء بلداتهم وبلديتاهم، فان سكان مدينة عمان لا يملكون هذه الحق، وقرر مشروع القانون حرمانهم من حق يتساوون فيهم مع مواطنيهم في المدن والبلدات الأردنية الاخرى.
وفي التبرير المتهافت لمشروعية القانون وصوابيته، سيقت عبارات عن خصوصية مدينة عمان باعتبارها العاصمة, ما يحتم نمطا خاصا من الخدمات وبالتالي قرار إداريا سريعا يجلب لهذه المدينة ما تحتاج من خدمات، كما سيقت عبارات تتحدث عن ضخامة المساحة الجغرافية التي تتمدد فوقها مدينة عمان، ما يعطي لعمان خصوصية تجعلها متمايزة عن غيرها من نظيراتها من المدن الأردنية. كما رصد كلام مضمر عن خوف حقيقي من وصول قيادات تنتمي للإسلام السياسي إلى موقع أمين عمان يمكن أن تقذف به صناديق الاقتراع لموقع أمين عمان.
وأما في الخندق المقابل الذي يدفع برفض مقترح القانون هذا، فقد قيل كلام يستحق الكثير من الاحترام دفع بحق أهل عمان في اختيار أمين مدينتهم، باعتبارهم مواطنين متساوين، وباعتبار حقهم في انتخاب الأمين مكفول بالدستور. كما كان هناك دفع برفض مقترح القانون يستند إلى انتهاك مقترح القانون لمبدأ الحقوق المتساوية بين الأردنيين في كل المدن والبلدات وحيث لا يميز الدستور بين ساكن لعمان أو أربد أو القويرة أو ارحابا.
لعل توقيت تقديم مقترح القانون إلى مجلس النواب هو الأكثر أثارة للغرابة وللدهشة. فمقترح قانون أمانة عمان قدم الى مجلس النواب في نفس التوقيت الذي يضج فيه الفضاء العام الأردني بالحديث عن الإصلاح السياسي، وفي الوقت الذي تم فيه تشكيل لجنة ملكية من تسعين شخصية مهمتها تحديث منظومة الحياة السياسية في الأردن. ففي بلادي هناك دائما من يحترف صناعة إرسال الرسالة ونقيضها في الآن عينه. ففي حين تقول السلطة أنها مهتمة جديا بالإصلاح والتحديث السياسيين في الأردن، وبما يضمن توسيع قاعدة المشاركة السياسية للأردنيين، فيتم تشكيل لجنة لتحديث الحياة السياسية، تقوم السلطة بفعل يناقض مضمون المبادرة الملكية في التحديث والإصلاح السياسيين من خلال مقترح قانون أمانة عمان، الذي يحرم أربعة ملايين أردني من المشاركة السياسية. فما يمكن لهؤلاء أن يكسبوه من خلال لجنة تحديث منظومة الحياة السياسية في الأردن، خسروه مسبقا وربما أضعافا مضاعفة من خلال مقترح قانون تعيين أمين عمان لا انتخابه.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للحزن، هو هذا الإمعان في الإصرار على تفويت الفرصة تلوا الأخرى على إحداث قطع مع هويات ما قبل الدولة والمناقضة بالقطع لمفهوم الدولة من هويات عشائرية ومناطقية وجهوية وطائفية والإصرار على أعادة إنتاج هذه الهويات الضيقة. فمقترح القانون المتعلق بأمانة عمان يفوت فرصة تاريخية لتحديث الحياة السياسية في الاردن، فما من مكان مثل عمان، ولا من مدينة تشبه عمان يمكن لها ومن خلال قراءة موضوعية أن تكون قاطرة حقيقية لتحديث الحياة السياسية في الاردن، كما يمكن لها أن تكون القاعدة لقيادة مشروع وطني لبناء الدولة الحديثة في الأردن.
ففي عمان يمكنك أن تلحظ مسارا يشبه المسار الذي يسم المدينة في عصرنا الحالي. فظاهرة المدينة التي ازدهرت بدءأ من القرن السادس عشر وحتى يومنا باتت هي الفضاء الذي تتكثف فيه عمليات تحول الانسان من كائن جمعي إلى فرد أو كائن فردي، وفي المدينة تحل الهويات الكونية الواسعة تدريجيا مكان الهويات المحلية الضيقة, وفي المدينة تزدهر قيم العلمنة مقابل القيم الحكم باسم الدين أو المقدس، وفي المدينة تزدهر قيم العقلانية الرياضية والحسابية بفعل انتشار الآلة وازهار التجارة وإنتاج البضاعة. وفي المدينة تزدهر قيم المواطنة في مقابل قيم الزبائنية. ففي عمان، وأكثر من أي بقعة في البلاد، تشكل فضاء اجتماعي مدني يضم الشركسي والشيشاني والشرق أردني والفسلطيني والكردي، كما يضم المسيحي والمسلم. وفي عمان ودون سائر المدن الأردنية، تشكل خليط معقد من الحرفيين والتجار والمقاولين والموظفين والفلاحين أو أشباه الفلاحين ومن البيروقراط وأصحاب المهن الحرة ليدخل في شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والتجارية وفي شبكة ممتدة من علاقات الزواج والتجاور المكاني.
وفي الحديث عن خصوصية عمان، ففي عمان اكثر من أربعين بالمئة من السكان ولكن خصوصية عمان لا تقاس بهذا الفارق العددي او الكمي فقط، قعمان ليست مجرد أربعين بالمئة من سكان البلاد. وهي وإن كانت تشكل أربعين من سكان البلاد إلا أنها في الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام والتأثير القيمي والأخلاقي يتجاوز تأثيرها بأضعاف حجم الأربعين بالمئة. ففي عمان تتركز النخب السياسية والتعليمية والثقافية والاقتصادية والدينية. وفي عمان تتركز الشرائح الأكثر تعليما والاكثر انفتاحا والأكثر عولمة والاكثر مدينية. وفي عمان تتكثف التفاعلات والممارسات التي تحول الإنسان في بلادنا من كائن جمعي وحيث الشخص هو مجرد نسخة من آلاف النسخ التي من اعضاء العشيرة او المنطقة أو الطائفة إلى كائن فردي. فعمان ليست رقما كبيرا يميزها عن باقي المدن والقرى في الأردن، ولكنها حقيقة متمايزة نوعيا وكيفيا أكثر من تمايزها وتميزها عدديا.
أملك الكثير من المنطق لأحاجج بان أي محاولة لتحديث سياسي في الاردن لا تتخذ من التحولات الحضرية والمدينية في عمان نقطة انطلاق لها، ولا تتخذ من سكان عمان وأهلها قاعدة ومنصة لتحديث الحياة السياسية والمدنية، هي محاولة عبثية وعدمية. فما من مكان في البلاد توافرت فيه الشروط للبدء في تحديث البلاد سياسيا أكثر من مدينة عمان.
أجزم أن ما من معنى للحديث عن تحديث الحياة السياسية في البلاد يهدف لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية أمام الأردنيين في الوقت الذي يقوم به صانع القرار بتقديم مشروع قرار يتعامل مع سكان عمان باعتبارهم غير مالكين للاهلية القانونية والعقلية والسياسية والمواطنية التي تمكنهم من اختيار عمدة أو أمين مدينتهم. وأجزم أن ما من مسوغ منطقي او تاريخي يعطي الدولة حق تسمية أمين لمدينة عمان وحرمان اهل عمان من هذا الحق، إلا إذا كانت الدولة تعتبر سجلها في تعيين رؤساء الجامعات أو مفوضي الهيئات أو المدراء العامين هو سجل مليء بالنجاحات الباهرة، وهي تملك بالتالي مشروعية حرمان أربعة ملايين عماني من حق انتخاب أمين مدينتهم باعتبار سجلها في اختيار الوزراء ورؤساء الجامعات يمثل قصص نجاح ناصعة وغير مسبوقة، وهي تملك بالتالي القدرة على فعل ما لا يستطيع أهل عمان أن يفعلوه.
لدي كثير من الشكوك التي تقول أن ملف أمانة عمان واختيار أمينها بات طلسما يشبه طلسم ملف الطاقة في البلاد، ولعل منظر موظفي أمانة عمان الذي ينتشرون خارج حدود أمانة عمان، وحيث تجد موظفا أو أكثر من موظفي أمانة عمان، يقوم بتحصيل مخالفات السير من كافة مدن المملكة ليقوم بجبايتها وتحويلها لخزينة أمانة عمان يثير كثيرا من الشكوك والأسئلة وبما يفسر ربما هذا الإصرار على ارتكاب خطيئة تجميد الإصلاح السياسي وحرمان أهل عمان من حقهم وواجبهم في المشاركة السياسية .
