شريعة الغاب .. وواقع أمة العرب / نايف المصاروه

شريعة الغاب .. وواقع أمة العرب

«شريعة الغاب» من مسرحيات احمد شوقي ،والتي تضمنت إيحاءات سياسية، كتبها على لسان الحيوانات ليبين واقع الحياة، وكيف يقع الظلم دائماً على الضعيف، يتذكرها المرء، وهو يرى الظلم وسوء اﻻحوال التي يعيشها العالم كله.
شخوص المسرحية هم: الأسد، والنمر، والثعلب، والدب، والذئب، والحمار.
بدأت القصة باجتماع عاجل دعا إليه الأسد، لمناقشة تفشي مرض الطاعون في الغابة.
افتتح اﻻسد الاجتماع بموعظة أشار فيها إلى أن «القدماء قالوا إنه إذا نزل الطاعون بقوم يكون ذلك عقاباً لهم على ذنوبهم، فإن اعترفوا بها وتطهروا منها يذهب المرض»، وطالب الجميع أن «يعترف كل بذنبه».
فرد النمر بالموافقة داعياً أن «يعيش مولانا الأسد».
ثم اعترف الأسد بما اقترفت يداه من قتل وفتك، ووصف الآلام التي تسبب بها ، وسأل الحاضرين: «هل تحسبوني مذنباً» ؟ فرد عليه الثعلب المنافق الماكر: «بل أنت أهل للمديح، اقتل جميع الناس يا ملك الوحوش لنستريح».
ثم اعترف النمر بذنوبه وبعده الدب.
وعاد الثعلب للحديث بلسان الحكيم الماكر قائلاً: «شر المنازل للفتى ما ليس ينفع أو يضر، إن الشجاع إذا رأى خطراً يحيط به يفر».
وقال موجهاً حديثه للحمار : «والآن ما لك يا حمار لزمت صمتك مستريحاً، ذي سكتة الجاني يخاف إذا تكلم أن يبوحا». دافع الحمار عن نفسه قائلاً: «أنا ما جنيت ولست أذكر أن لي عملاً قبيحاً». وأدلى بإفادته قائلاً: «قد كنت يوماً جائعاً والليل يوشك أن يلوحــا، والأرض تبعث حرها ويكاد جسمي أن يسوحا، فمررت قرب الدير أشكو في الفؤاد له جروحا، وتكاد رجلي أن تزل وكاد جفني أن ينوحــا، فوجدت عشباً ذابلاً في بعض ساحته طريحـا، وتمثل الشيطان يغريني ويبدو لـي نصيحـا».
ويسأله الثعلب: «أأكلت»؟ فيرد الحمار: «نعم أكلت».
ويتدخل النمر ويقول: «قد اعترفت». وعلى الفور يعلن الثعلب حكم القصاص بالإعدام على الحمار بالاستناد إلى قانون: «من مس مال الوقف في قانوننا دمه أُبيحا».
ثم أعلن الأسد أن عقوبة الحرق ستكون مصير الحمار بحجة «أكله مال الصوامع».
واختتم الثعلب الاجتماع بقوله: «إن الفتى إن كان ذا بطش مساوئه شريفة»، بمعنى إن من كان قوياً توصف عيوبه وأخطاؤه وذنوبه بأنها أعمال عادية ولا ترتقي لتصنف بأنها جرائم .
في عالمنا المعاصر الذي نعيش فيه،تتكرر شريعة الغاب وتتجلى بأبهى وأوضح صورها ،فالكبار ..أسود المشهد الدولي ،يقتلون وينهبون ويمتصون دماء الشعوب،ويدمرون الحضارة ،ويزورن التاريخ بإسم المدنية والحرية تارة،وتحت كل المسميات تارات وتارات،وبدون أي حسيب أو رقيب،ومن يحاسب من إذا كان المجرم المحترف والقاتل والسارق، هو ذاته القاضي والخصم والجلاد.
دمرت العراق،تحت ذرائع شتى،ما لبث طويلا، حتى اعترف الجناة أنفسهم بأخطاءهم في التقدير والتقرير،ثم لحقت الشام بالعراق ،ثم تكالبت قوى الشر على اليمن الذي كان سعيدا،فأصبح حزينا كئيبا،تتقاذفه فتن الطائفية واﻹحتراب،ويتوسع اﻹحتراب ليصل إلى السعودية الشقيقية الكبرى،وهي ذاتها المقصودة ، وهي من يسعى لها أهل الشر بكل انواع الشر ،فهي منارة العالم اﻹسلامي،فيها وعلى ارضها هبط الوحي ،ومنها انتشرت دعوة الخير إلى العالم كله،فتنة اﻹقتتال في اليمن ،وحرب الإستنزاف التي تخوضها السعودية على الحد الجنوبي لها،وداخل العمق الينمي وفتن طوائف التشيع في بعض دول الخليج العربي،وفتن التفلت الداخلي،وإثارة الرأي العام،على بعض الممارسات، وكثرة مطالبات بعض المؤسسات الحقوقية الدولية الخبيثة،الغاية منها،إضعاف الدور السعودي إقتصاديا وأمنيا، وقبل ذلك إضعافها عقديا،لتهتز صورتها المثلى أمام العالم كله،وأمام المجتمع المسلم بالذات. وإقتتال بين اﻷشقاء في ليبيا،وفقر مدقع وإرهاب اسود وأعمى في الصومال،وخصومات سيادية وسياسية،وأزمات إقتصادية في كل أنحاء جسد اﻻمة،ومع كل حادث وحدث، يتكرر مشهد شريعة الغاب.
ولا يزال الصهاينة الثعالب يخططون ،للإيقاع بمن تبقى،تحت مسميات الخداع والمكر،وتأليف الكذب ،وتاليب للرأي العام الدولي، على بعض الدول في المنطقة ،وبحجج وذرائع شتى ،ولكن المراد من ذلك التأليب والتأليف، ليس إيران وحدها،بل إن المراد هو كل المنطقة بأسرها وبكل دويلاتها.
وتلوح في الأفق فتن كقطع الليل المظلم،يتجلى ذلك من خلال ما اعلنت عنه، صحيفة هآرتس الإسرائيلية، إن هناك مساع امريكية لتعديل الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية بالقدس المحتلة .
مقال الصحيفة الصهيونية،فيه إشارة خبث ودهاء ،وإشارة عبث ،كانت من خلال مقال للكاتب فيكتور كاتان،لجس نبض الشعوب،حيث أكد الكاتب على أن هناك اعتقادا تغذيه خطة السلام في الشرق الأوسط ،وبأن ترامب وصهره جاريد كوشنر، المستشار بالبيت الأبيض، يسعيان إلى نقل الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة من الوصاية اﻷردنية الهاشمية،ومنحها الى السعودية.
وفي هذا الطرح خبث عظيم ،وخطر كبير،فالسعودية واﻷردن دولتين جارتين،وأغلب مواطنيهما هم أهل السنة، وإن وأي خلاف سياسي يقع بينهما لا قدر الله، هو ضعف اكثر يضاف الى ضعف الأمة ،كما أن أي خلاف يظهر ،ليس فيه مصلحة ﻷي من الدولتين،بل إن المستفيد اﻷوحد هي أمريكا وإسرائيل.
وهنا أسأل …ما علاقة أمريكا باﻷرض العربية واﻹسلامية،تمنح وتمنع،واين الرد العربي،وبالذات من جانب الشقيقة السعودية، على مثل هذه اﻹدعاءات والتصريحات ،حتى وإن كانت مجرد تصريحات او تلميحات ،فإن الرد الرسمي الحازم والحاسم،فيه بيان للموقف وتجلية للحقائق،ومنع للتأويلات وكثرة الهواجس والتحليلات.
ثم أين دور وبيان البرلمانات العربية واﻹسلامية ،ومنظمة التعاون اﻹسلامي ،أليس من الواجب الدعوة إلى اجتماع دولي إسلامي طارئ لبيان أمرين:- اولهما التاكيد على عروبة القدس وإسلاميتها ،وأنها عاصمة دولة فلسطين.
وثانيهما التأكيد على الوصاية الهاشمية على كل المقدسات في القدس،انطلاقا من التاريخ ،ثم انطلاقا من اتفاقية السلام الذي يجب ويجب ثم يجب ،أن تحترم نصوصها دولة اﻹحتلال الصهيوني !
شريعة الغاب …مع اﻻسف في كل يوم تتكرر نصوصها ،وتتجلى حقيقتها واقعا نعيشه في شرقنا العربي بالذات،وفي دول العالم المستضعفة بشكل عام،وما يجري في فنزويلا اكبر شاهد.
المخرج من واقع شريعة الغاب..هو الوعي لما يخطط له في الخفاء والعلن،وعدم الرضى بكل مخططات الذل والهوال،ﻷن من يهن يسهل الهوان عليه،
ثم الأهم من ذلك كله،ضرورة التوحد في القرار،وعدم التفلت او اﻹبتعاد عن المشهد ،وعدم قبول أي حلول احادية أنى كانت قرارتها .
يا أمة العرب….يا أمة اﻹسلام،كم قرأنا عن قصص ..أكلت يوم أكل الثور اﻻبيض،وكم من شعوب قتلت وبلدان دمرت بسبب الخنوع والتواطؤ،وكم قرأنا عن شريعة الغاب،ونشاهد واقعها ولم توقظ فينا حياة أهل الحق.
وكم قرأنا ..تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا،وإذا تفرقن تكسرت أحادا.
بعد كل الأحداث التي جرت سابقا، وتجري اليوم ،ترى ما هي الموانع من اليقظة!
وما هي موانع الوحدة !
ومتى نستيقظ…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى