
#سواليف
لم يتغير الواقع الأليم في قطاع غزة بعد مضي أكثر من 200 يوم على اتفاق وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، الذي أُبرم برعاية رباعية في مدينة شرم الشيخ المصرية. فالأحوال المعيشية للسكان الذين عاشوا حرب إبادة هي الأعنف في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ إن القتل اليومي إلى جانب التجويع والمرض والنزوح لم يتغير عمّا كان.
وفي ظل واقع أليم، يعيش سكان قطاع غزة في أقل من نصف مساحة القطاع الضيق بالأصل، بعدما سيطرت إسرائيل على أكثر من نصف مساحته، وضمّته إلى مناطق “الخط الأصفر”، ولا يزالون، رغم مرور كل هذه الأيام، يعانون مرارة العيش وتردّي الأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية.
الأزمات تتفاقم
في غزة لم تُحلّ أي من الأزمات التي كانت قائمة قبل اتفاق وقف إطلاق النار، فالهجمات الحربية الإسرائيلية، وإن خفّت وتيرتها، فإنها لم تتوقف تمامًا، إذ تُسجَّل عمليات قتل يومية، فيما استبدلت إسرائيل الهجمات البرية باستمرار السيطرة على 53% من مساحة قطاع غزة.
وسجّلت وزارة الصحة في غزة استشهاد 823 مواطنًا وإصابة 2308 آخرين، إلى جانب انتشال 763 شهيدًا، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ يوم 10 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي.
ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه المعيشة الضنكة في غزة، إذ يشتكي الجميع من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فيما تواصل إسرائيل تشديد إجراءات الحصار، وتحرم بذلك السكان من الحصول على كفايتهم من المواد التموينية والأدوية اللازمة لعلاجهم.
كذلك لم تُحلّ أزمة السكن في قطاع غزة، فمع التدمير الواسع الذي طال نحو 70% من منازل غزة، واستمرار سيطرة جيش الاحتلال على جميع المناطق الشرقية والشمالية والجنوبية، يقيم أكثر من نصف السكان في مراكز ومخيمات الإيواء، داخل خيام لا تحمي من برد ومطر الشتاء ولا من حر الصيف.
ولم يسفر هذا الاتفاق الهش لوقف إطلاق النار سوى عن تخفيف حدّة العمليات العسكرية الواسعة، فيما تستمر التداعيات الإنسانية والاقتصادية وتتعمق مع مرور الأيام، وهو ما تؤكده التقارير الدولية الصادرة عن منظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.
النزوح والمرض
تقول أمل سلامة، وهي سيدة في العقد الرابع من العمر، تقطن مع أسرتها في إحدى خيام النزوح في وسط قطاع غزة: “الهدنة ما غيرت شيء، صحيح القصف أقل من زمان، لكن حالنا ما تغير”. وتضيف، وهي تجلس أمام خيمة تسلّمتها أسرتها قبل أكثر من عام ونصف، ومرّت عليها فصول السنة، وعاشت ظروف مطر الشتاء وحر الصيف: “لسّا ساكنين في الخيمة”. وأشارت خلال حديثها لـ “القدس العربي” إلى أن واقع العيش في الخيمة ازداد سوءًا بعد أن اهترأت بشكل أكبر، واشتكت من مشاركتهم السكن مع الجرذان والحشرات بصورة أخطر مما كان عليه الوضع قبل التهدئة.
وليس بعيدًا عن هذا المشهد، يعيش أحمد منصور مع أسرته النازحة في خيمة مهترئة في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة. ويقول هذا الرجل، الذي يعاني والده من مرض عضال، لـ”القدس العربي”: “إنه لا يجد في أغلب الأيام الدواء اللازم لعلاجه، وإن سكن الخيمة وواقع الحياة المرير لم يتغيرا”.
ويضيف: “أخبرونا حيكون في كرفانات (غرف متنقلة) بدل الخيام، والمساعدات حتزيد، والإعمار قريب، لكن لسا حياتنا مثل ما كانت، ما تغيرت”. واشتكى من الخوف من القصف الإسرائيلي القريب ومن إطلاق النار الذي يصل إلى مناطق نزوحهم بشكل مستمر، ومن استمرار أزمة المياه والطعام، ومن الحشرات والقوارض التي تنتشر بشكل خطير في هذه الأوقات.
وقبالة مناطق الإيواء، وبين المناطق السكنية المتبقية في غزة، ترتفع أكوام القمامة، وسط تحذيرات من تفاقم الوضع البيئي، بسبب عدم سماح إسرائيل منذ اليوم الأول للحرب بوصول الهيئات المحلية إلى مكبّات النفايات شرق قطاع غزة للتخلص من هذه الأطنان، كما تمنع وصول الوقود الكافي والزيوت اللازمة لتشغيل شاحنات جمع القمامة ومحطات الصرف الصحي، ما يهدد بتوقفها قريبًا، ويؤدي إلى تفاقم المشكلة البيئية واستمرار انتشار القوارض والحشرات، في ظل منع إدخال المواد اللازمة لمكافحتها رغم التهدئة.
وعن هذه المشكلة، يقول الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة: “إن مخيمات النزوح في غزة لم تعد فقط أماكن للاحتماء، بل أصبحت بيئة مرضية تولّد الأوبئة”. ويشير إلى أن نصف النازحين يُصابون بأمراض جلدية نتيجة غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية.
أما ممثلة “منظمة الصحة العالمية” في الأرض الفلسطينية المحتلة، الدكتورة رينهيلد فان دي ويردت، فقالت إن غالبية العائلات الفلسطينية لا تزال نازحة وتعيش في خيام وسط الركام، معتمدة على المساعدات الإنسانية لتلبية أبسط احتياجاتها الأساسية.
وأكدت أنه على الرغم من سريان وقف إطلاق النار، فإن “الضربات الجوية، والقصف المدفعي، وإطلاق النار، لا تزال مستمرة”. كما جرى تسجيل أكثر من 17 ألف حالة مرتبطة بالقوارض أو بالطفيليات الخارجية بين النازحين في غزة، في وقت أبلغت أكثر من 80% من مواقع النزوح عن تسجيل إصابات جلدية مثل الجرب والقمل وبق الفراش، كـ”نتيجة مؤسفة” للعيش في “بيئة منهارة”.
إسماعيل الثوابتة لـ”القدس العربي”: المؤشرات الميدانية تُظهر تدرجًا في تصعيد العمليات العسكرية، ولم تتجاوز نسبة إدخال المساعدات 37%.
نقص المساعدات والدواء
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، كان من المفترض أن توقف إسرائيل هجماتها الحربية، غير أنها تواصل وتنفذ بين الحين والآخر عمليات اغتيال، وقصفاً مباغتاً، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 800 فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 2000. كما ترفض تنفيذ البروتوكول الإنساني الذي ينص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا.
ويقول الدكتور إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن جيش الاحتلال يواصل تنفيذ هجمات مكثفة على التجمعات السكانية وخيام الإيواء.
ويؤكد لـ”القدس العربي” أن المؤشرات الميدانية تُظهر تدرجًا واضحًا في تصعيد العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن تدني مستوى التزام الاحتلال الإسرائيلي بالاستحقاقات الإنسانية يعزز المسار التصعيدي، إذ لم تتجاوز نسبة إدخال المساعدات 37%.
ويرى أن هذا الأمر “يعكس استخدامًا ممنهجًا للأدوات العسكرية والإنسانية في إطار سياسة تضييق الخناق على السكان المدنيين”.
وتواجه الأسر في غزة نقصًا حادًا في المواد التموينية بسبب القيود الإسرائيلية وارتفاع أسعار ما يتوفر في الأسواق بكميات قليلة. وبسبب هذه القيود، لا تزال الطوابير المكتظة تمتد أمام المحال التجارية لشراء الأطعمة الأساسية عند توفرها، وكذلك أمام محطات تعبئة المياه الصالحة للشرب، وهو مشهد لم يتغير عمّا كان عليه قبل التهدئة.
وفي هذا السياق، قال “برنامج الأغذية العالمي” إن أسرة واحدة من كل خمس أسر في غزة تكتفي بتناول وجبة واحدة يوميًا فقط.
وفي غزة، ومع التحذيرات الطبية من أزمة الدواء القائمة بسبب الحصار الإسرائيلي، لم تسمح إسرائيل بإدخال المعدات اللازمة للمستشفيات التي طالها الدمار خلال الحرب، عندما تعرضت لاجتياحات عسكرية. كما تواصل سلطات الاحتلال منع وصول هذه الأجهزة رغم اتفاق التهدئة، وتستمر في تقييد حركة خروج المرضى للعلاج في الخارج، ما يهدد حياة نحو 18 ألف مريض بحاجة إلى علاج طارئ، تُسجَّل وفيات يومية، بينهم بسبب تأخر سفرهم.
ووفقًا لوزارة الصحة، فإن 59% من الأدوية الأساسية، و37% من المهمات الطبية، نفد رصيدها، في ظل معاناة المستشفيات من نقص في محطات الأكسجين.
مفاوضات متعثرة
يأتي ذلك في وقت تعيق فيه شروط إسرائيل التقدم في مفاوضات تطوير اتفاق وقف إطلاق النار، وتهدد بين الحين والآخر بعودة الحرب، وتعلن إبقاء سيطرتها على الجزء الأكبر من قطاع غزة.
وفي الوقت الذي تطلب فيه حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وفصائل المقاومة تطبيق بنود المرحلة الأولى كاملة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، تصر إسرائيل على التهرب من استحقاقات المرحلة الأولى، وتطالب بتنفيذ المرحلة الثانية، وبخاصة بند “نزع سلاح المقاومة”، وهو ما ترفضه “حماس” والفصائل الشريكة معها.
ولا تشير المعطيات المتوفرة إلى إمكانية حدوث اختراق في هذه المفاوضات التي تنشط بين الحين والآخر بين الوسطاء و”حماس”، في حال استمرت إسرائيل في سياستها التصعيدية ورفضها تنفيذ التزاماتها، خاصة أن الواقع في غزة يتجه يومًا بعد يوم نحو الأسوأ.
وفي بيان صادر عن حركة “حماس”، أكدت أن التصعيد الإسرائيلي في وتيرة القصف والقتل في غزة “يمثل فشلًا واضحًا لدور الوسطاء والضامنين والمجتمع الدولي في كبح آلة القتل الصهيونية الوحشية، وتقاعسًا غير مبرر في الاضطلاع بالمسؤوليات تجاه وقف الجرائم المستمرة بحق شعبنا”. وطالبت المجتمع الدولي وكافة الدول والأطراف المعنية بالتحرك الفوري لحماية الشعب من القتل اليومي الذي يتعرض له على يد جيش الاحتلال، والضغط على الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ تعهداتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
