
في الارشاد إلى سبيل الرشاد 4، 5
بداية أتقدم بالشكر الجزيل لموقع سوالف والذي تفضل مشكورا بنشر الموضوعين السابقين
في سلسلة موضوع (في الارشاد إلى سبيل الرشاد)
اسأل الله قبول مشاركته في الاجر
في الإرشاد إلى سبيل الرشاد3
المرتبة الثانية
الإرشاد بمعنى إتباع الحق والصواب والسداد
قال تعالى (( وقال الذي آمن يا قومي اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد)) وكما في قوله تعالى :(( وما أمر فرعون برشيد))
ولان الحق مجاله واسع وكبير وهناك حقائق واقعية وحقائق علمية ودينية …,,,,,,إلى ما هنالك
سنحاول أن نتحدث في هذه المرتبة الثانية من مراتب الرشد عن الحق من خلال التركيز على الواقع الخارجي , وواجب الوجود , والأسرة , والتعرف على الذات
ما هو الحق ؟
( الحق على الحقيقة واضح الطريقة بذاته يعبر عن نفسه بنفسه ، ما لم تجد العقول الصافية ، والأسرار الموجبة النافية طريقا إلى جحوده ، وﻻ سيلا إلى نفيه اضطرارا قام عليه البرهان ، ﻻ تقليدا لما رواه زيد عن عمرو وﻻ عمرو عن زيد ) 1، فان واجهه الشك خرس ، وان قابله الإفك بهت ، لأن الحق لا يعتمد على الشكوك وتخيلاتها ، وﻻ على أباطيل الافك وتبريراتها؛
وأول ما تشهد به العقول ( بأن الحق وجود الله الموجد لكل موجود )
و عكس الحق الباطل الذي هو ظل زائل محال حائل ﻻ وجود له على الواقع إنما ينبع عن طريق تخيل الإنسان له ؛ فتعامل الإنسان على الحق هو إن يؤمن به ويصدقه سواء رغب بذلك أو لم يرغب ويبينه للآخرين فإن قبلوا به فقد فازوا وإن رفضوه خسروا ، والحق لا يتغير من شخص إلى شخص ، أو من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان، ولكن قد يكون أشد ظهورا في عقول أهل الصلاح والرشاد منه عند أهل الغي والفساد ، وقد تختفي كثير من الحقائق لغياب العقلانية الراشدة وطغيان الخرافة ، والأمثلة الواضحة على ذلك من خلال ما أكتشفه العلم من قوانين الطبيعة مثل قانون الحركة والطاقة والجاذبية وغيرها كانت موجودة قبل أن يكتشفها الإنسان وقد تستمر الكثير من هذه الحقائق التى لا يجادل الإنسان فيها .
وأما الباطل فهو تخيل وجود شيئا ما أو تأثيره مع أن الواقع يدحض ذلك ، كذلك الباطل يتغير من شخص إلى شخص ومن أمة إلى أمة ومن مكان إلى مكان , ومن الأمثلة على ذلك كشخص في داخل كهف يرى على حائط الكهف ظل أشكال فيتخيلها فلو خرج من الكهف لاراها مختلفة كذلك أبو الباطل لو خرج من كهف غيه وغوايتها لشاهد الأمر على حقيقته، وأوضح مثال أهل الاعتقاد بقوه البشر أنهم يختلفون عن البشر الحاليين بالطول أو العرض أو صفات ، أو ادعاء بعض ، بعض المتألهين أنهم جاءوا نتيجة توالد الشمس والقمر ، أو تأثير حركه النجوم .
لقد ميز الله تعالى الإنسان عن الحيوان بالعقل، وﻻن الحيوان ليس لديه عقل ، فبالتالي ليس لديه خيارات متعددة بعكس الإنسان الذي لديه عدة خيارات متعددة ، لكن هذا بحد ذاته لا يجعله دائما يختار الأفضل فقد ﻻ يوفق باختيار الأفضل أوﻻ يختاره أصلا ، والأسوأ من ذلك حين يختار السيئ على الحسن ،ومن أصعب الأمور حين تكون الخيارات محدودة أو يبرز أمامه خيارات كلها باطلة , ومن هنا تتميز الشخصيات والقدرات, ويتوقف صواب اختيار أي فرد منا بحسب ما يمتلكه من عقل ومنطق ومعرفة وخلق كريم ،
ومن يختار السلوك السيئ
فانه يضر نفسه قبل غيره . ويضر غيره .ليس كما يظن البعض أن ذلك من أجل الله فالله جل جلاله
لا يضره شيء ، فمن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غني حميد..
يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم .
..الحق. والصواب هو السطر الأول في خارطة الحياة الإنسانية .
ما الذي أفعله ؟
وما الذي ﻻ أفعله،؟
ما الغاية التي أريدها ؟
ما الخيارات المتاحة لي لتحقيق هذه الغاية ؟
ما النتائج المتوقعة ؟
ما المخاطر المتوقعة?.
ومن هنا تبز أهمية الحق .
** أهمية الحق :
ببساطة، لأن الحياة تأتي بنتائج للمواقف الصائبة أو للمواقف الخاطئة . فإن إعطاء شخص مقدار خاطئ من الدواء قد يقتله؛ إن القيام باتخاذ قرارات خاطئة يمكن أن تؤدي بحكومة إلى الإفلاس , أو بشريكة الى الإفلاس أو بعائلة إلى الإفلاس ؛ إن ركوب مركبة أو طائرة باتجاه خطأ سيأخذك إلى مكان قد لا تود الذهاب إليه؛ واختيار شريك حياة غير أمين يمكن أن تكون نتيجته تدمير العائلة بل وربما الإصابة بالأمراض.، وسواقة السيارة بسرعة جنونية قد تؤدي إلى حادث مؤلم أو الوفاة ، و تناول والمخدرات ، وما شابهها ، والإقدام على الجريمة …. وكثير من مثل هذه التصرفات الغير صائبة وﻻ حقة , لها نتائج ضارة وغير مرضية .
ورغم معرفة الإنسان بضررها و بعدم صوابها اﻻ انه يفعلها .
العقل مفيد والمعرفة مفيدة ولكن الإنسان إما أن يستخدم عقله وإما لا يستخدمه فيعطله ويكون كالأنعام بل هو أضل، أو انه يستخدمه بغير الحق فيضر نفسه ويضر الآخرين ، ونفس الشيء يقال فيما هو حق وفيما هو باطل ، فرغم علمه المسبق بالحق قد تطوع له نفسه ان يختار الباطل ، وحين ﻻ يراعي هذا الجانب فقد يصل إلى ارتكاب اكبر الجرائم وأخطرها وهي قتل النفس كما فعل قابيل بأخيه هابيل حين طوعت له نفسه قتل أخيه .
ﻻ شك إن من أهم ما يسعى إليه أهل العقول هو تمييز ألحق من الباطل والتحيز إلى الحق ضد الباطل , وما لم يتم نصرة الحق والعمل على إظهاره وكشفه وبالأخص إن التبس به الباطل , إذ لا قيمة لحق ﻻ يعمل به , وبطبيعة فان الصراع بين الحق والباطل قائم منذ أن خلق الله الخلق منذ نبأ أبنيي آدم إذ تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.
للحق جنوده ووسائله
الحق يهدي إلى الصدق والعدل والإحسان والبر …
الباطل يهدي إلى الكذب والتضليل والظلم والفحشاء والمنكر , والبغي , والطغيان ,
الحق طريق السعادة في الدنيا والآخرة .
ولأن السعي لتحقيق السعادة من أهم الحقوق الطبيعية للإنسان بعد حقه بالحياة، فان السعي إليها ممكن ومتاح من خلال تعرف الإنسان على ذاته أولا :
يمكننا القول : أن الإنسان ﻻ يستطيع بداية أن يحيط علما بنفسه ﻻن ذلك من أصعب المهمات، ولكنه يستطيع أن يتعرف على نفسه ، من خلال تعرفه على مهاراته وقدراته وكلما أكتشف ذلك مبكرا كلما مكنه من النجاح وتحقيق ذاته ، فكل شخص منا له قدرات ومهارات لو تمكن من اكتشافها والاستفادة منها، وأحسن التصرف فيها واستغلالها لحقق فائدة له ولغيره ، وهو في هذه المرحلة من مراحل الرشد يحتاج إلى مساعدة أسرته في اكتشاف مواهبه وتطويرها، وتشجيعه .
حتى يظهر مواهبه وﻻ يكبتها ، وعلى المجتمع التعامل معه بايجابية ومساعدته ، ونفس الشيء على مؤسسة الدولة والمؤسسة التعليمية، ومؤسسات المجتمع المدني.
وﻻ يستطيع أحد أن تخيل مدى الضرر على الفرد والمجتمع حين يتم إهدار هذه الثروة للشباب وضررها على المجتمع وعلى الإفراد أنفسهم وعلى الأسرة التي كافحت من أجل ترى ثمرة أفرادها، وتستفيد منهم ،
وهنا تبرز مشكلات معقدة تتسبب بظهور صراعات بسبب الفقر والجهل وغياب التنمية وبدلا أن يكون الشباب عامل خير وتنمية وإنتاج يتحولون إلى عالة على المجتمع وعلى الأسرة. ، وبدلا من استغلال مواهبهم، يحسدون غيرهم ويقفون ضد الراشدين منهم الذين استغلوا مواهبهم فلا يعترفون لهم بذلك، يحاولون التقليل من جهود غيرهم بالدعوى الباطلة أن عمل غيرهم غير مجد
، أو أنهم شركاء لهم بذلك التفوق ، وبدلا. ان يلوم نفسه بعدم الاستفادة من قدراته يلوم الآخرين ، ولأنه على باطل سيستخدم وسائل الباطل التي هي الكذب والبغي والظلم ،
ولأن المجتمع يحتقرونه سيستخدم الكبر والقوة لفرض نفسه عليهم قال تعالى :
(( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) )) من سورة الأعراف.
ولأن السعي الحسن والحق سمو وارتفاع والفاشلون ساقطون سيلجأؤن للتعريف بذواتهم من خلال الأفعال المجرمة وﻻ ما نع لديهم أن يسلكوا سبيل ألغي ويحملون السلاح وينضمون بصف أمراء الحروب والعصابات ، والإرهاب .
فالإنسان عدو نفسه بالمقام الأول ، والأعداء ﻻيستطيعون ضرره والوصول إليه اﻻ من خلاله وانحرافه عن الحق ولقد كانت أول خطيئة رغبة أبونا أدم أن ينال أكثر مما يستحق وإيثاره لنفسه بالخلود والملك قال تعالى: (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) من سورة الأعراف .
أما الحادثة الثانية فلم تكن خطيئة فقط بل وجريمة كبرى ومن أعظم الجرائم .
حين طوعت لقابيل نفسه الشريرة قتل أخيه البار هابيل ، فلم يقتل هابيل فقط بل وقتل الحق ، وقتل الحياة قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) من سورة المائدة.
إن فشل قابيل الذي لم يقم بما يجب ليننال القبول لم يتوقف فشله على خسرانه بل دفعه على قتل أخيه البار ،
و إقدام قابيل على قتل هابيل لهو أكبر دليل على غي قابيل وغوايته ، فلم يختار السلوك الحسن الذي سلكه أخوه حتى ينال
القبول ، وانه كان لديه فرصة أكيدة لم يستغلها وأراد أن يأخذ نفس المكافأة التي حصل عليها أخوه دون مقابل ، ان الإجابة التي أجاب بها هابيل حين لم يكن لديه سوى خيارين إما القتل وهو( الإثم ) أو الخيار الآخر عدم القتل وهو ( البر) ) فاختار البر على الإثم . وشتان ما بينهما.
وبهذا الاختيار برهن من جديد صواب أحقيته تقبل ما قدمه، والى جانب هذا قدم في سبيل الحق أكبر تضحية وهي نفسه
ولو أختار نفس خيار أخيه لكان شريرا مثله ولقال قائل لم يكن يستحق تلك المكافأة من ربه.
وهكذا كلنا معرضين لمثل هذه الاختبارات و… تبرز أمام الشخص خيارات متعددة بعضها مفيدة وبعضها غير مفيدة ويتوقف حسن الاختيار من عدمه على عدد من العوامل منها الهوى والتمني وغيرها فالشخص المتوازن هو الذي يتغلب على الرغبات غير الواقعية ويتعامل مع الرغبات المفيدة والممكنة ويوازن بين متطلبات عديدة للإنسان الذي يحمل مشاعر وأحاسيس ومعرفة بين ماضيه وحاضره ومستقبله
الإنسان يتميز عن غيره من المخلوقات بما وهبه الله من علم ومشاعر وأحاسيس فبعد تعرفه على ذاته يحتاج إلى التعرف على محيطه من خلال ثلاث مكونات :
1 – الإله وهو الخالق سبحانه وتعالى :
2 – الإنسان والذي هو واحد منهم :
3 – والكون بما فيه من مخلوقات غير الإنسان
وعلاقته بهذه المكونات الثلاث
ثم يوازن إمكانيته مع متطلبات وقته ومكانه
من خلال النظر إلى
الماضي
والحاضر
والمستقبل
فيعطي كل بما يستحقه بحسب قدرته وجهده
المكونات الثلاثة:
1 الله جل جلاله واجب الوجود.
وذالك إذا جالت العقول في آفاق الاستبصار بأجنحة الأفكار .أدركت أنها لم توجد ذواتها فقد أتى عليها حين من الدهر لم تكن فيه شيئا مذكورا ،فأصبحت حية بعد الممات ومذكورة بعد العدم , ومن باب أولى فهي لم توجد غيرها ، فوجود الواقع الخارجي ؛ من اله وكون وإنسان مستقل عن عقولنا وخارج عن رغباتنا فهو واقع موجود رغبنا أم لم نرغب، وبما أنه موجود فهو يوجد بطريقة ما ، ونحن نستطيع أن نتعرف عليه ، وتكون معرفتنا له صحيحة أو خاطئة بحسب مطابقة معرفتنا للواقع ، إذا فنحن لم نوجده بل نتعرف عليه ونكتشفه. ، كما أن ما سوى الله من هذا العالم ( الواقع الخارجي )لم يوجد نفسه ولا تدعى ذلك ، فلما أفلت تلك الأجرام ببرهان شاهد الوجود والعقل صغيرها وكبيرها بنجومها وقمرها وشمسها ، وعجزت عن إيجاد ذواتها ، وحصل للنفس البشرية معرفة ذاتها ، وأدركت غرائب صفاتها ، إذ هي القادرة وحدها بما وهبها الله من عقل من دون مخلوقات الأرض أن تعبر عن معرفتها بواقع نفسها ، وتعبر عن معرفتها القائمة على الواقع الخارجي وعلاقتها به ، والعلاقة بين مختلف مكونات هذا الواقع، وبحتمية وجودها اضطرارا ، قام البرهان بوجود خالقها ؛ فحقيقة وجودها هو وجوده ، وجحودها لوجودها هو جحوده ..فكلما همت أن تنفي خالقها وقع النفي عليها ، وكلما أرادت أن تجحده سرى الجحود إليها ، فكما لا تجد لنفي ذواتها سبيلا , وﻻ لجحود صورها طريقا ، كذلك ﻻ تجد سبيلا إلى نفيه وﻻ طريقا إلى جحوده ، فحينئذ أتضح لها طريق النسبة إليه ، وعلمت أنها أنوار الدلالة عليه ..كأنواع الثمرة الدالة على صفة الغرس ، وكمعنى الحركة الدالة على جوهر النفس ، وكأنوار الفجر الدال على ذات الشمس، وكعذب الماء الدال على النهر .
وبحتمية تراتب هذه العلاقات انعقد الوجود بالوجود، .وأقتترن الجحود بالجحود
، واتصل سبب الشاهد بالمشهود ونطق ترجمان الحق بما ثبت لديه بشاهدتي الواقع والعقل ، …بما نطق به إبراهيم الرشد – عليه السلام – (( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)))
فيا لها من شهادة عبق طيبها وثقلت في السماوات والأرض وزنها ، وعدم في الملك والملكوت نظيرها .
وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) من سورة الأنعام.
ومن يرغب عن ملة إبراهيم اﻻ من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين .
فمن لا يعترف بهذه الحقيقة الكبرى أم الحقائق المطلقة فأنى له أن يعترف بغيرها ولهذا أقرت به العقول إلا من نكس بالجهل رأسه وسفه كما يسفه الحمار نفسه .
وﻻن وجود الله حقيقة ﻻ تستطيع العقول أن تجادل فيه فلجا أهل الباطل إلى حيلة ، فمن فساد أقوالهم وقبائح أفعالهم زعمهم أن الإله الحق بعد خلقه للسماوات والأرض تخلي لصلاحيته أو بعضها ، لصالح الملائكة والجن ، أو لبعض الناس ، أو لجماد وجعلوهم شركاء لهر… الخ .
وتجاهلوا علاقة الإله الحق بما خلق وبما يجري في السماوات والأرض، واستحالة أن يكون الخالق الحق إلها ، والرازق إلها آخرا .
وأنكروا دلائل تواصله بواسطة الرسل وإنزال الكتب ، ومن ذلك القرآن الكريم المصدر الأول للحق والحقيقة ، من ذلك قوله تعالى : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (32) كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) من سورة يونس
فأما من فساد حداثة الإلحاد زعمهم ألا حقيقة ولا حقائق فهم موجودن وغير موجودين، ثم لا يدركون بإطلاق هذا الحكم أنهم قد برهنوا زيف قولهم وكذبه مسبقا فان كان ليس هناك حقيقة يمكن أن يؤخذ بها ،
فكيف طلبوا من غيرهم أن يقبلوا مقولتهم على أنها صوابا وحقا ؟
لذلك اقتضت حكمة كل عقل صاف من كدر الجهل أن يشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه .ومن كفر فان الله غني حميد
(( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ 122.)) من سورة لقمان
2 ـ الإنسان
الإنسان هو المكون الوحيد من بين مخلوقات الأرض القادر على التعبير عن ذاته وعن غيره وهو القادر على التخاطب مع بني جنسه ومع الإله , وهو الذي تتجلى فيه بعض صفات الخالق وإفاضاته بكونه قد نفخ الله فيه من روحه ففد جمع فيه بين صفات المادة والروح ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .
ولذلك نعت بخير البرية محسنا وبشر البرية مسيئا .
وما يعنينا في هذا الموضوع هو الحديث عن الأسرة التي هي الصق الناس بالفرد منذ ولادته وبعد بلوغه سن الرشد ،
وﻻ شك إن الأسرة كانت وﻻ زالت أساس تكوين المجتمع ، وبصلاحها ضمان صلاح المجتمع وبتفتتها تفتت المجتمع ، وأعظم كارثة هو تفتت الأسرة ولعلى خير وصف ما عبر به البروفسور سيف العسلي بأنها كالنواة وأن تفتتها أشبه ضررا بالانفجار النووي للنواة .
وكل الجهود التي بذلت وتبذل من أجل الاستغناء عن الأسرة بات بالفشل فلا يمكن
لأي مؤسسة مهما كانت أن تحل محل الأسرة سواء كانت مؤسسة الدولة أو مؤسسات خيرية أو مدنية ، فقط قد تخفف من الأضرار التي تلحق بمن يحتاجون إلى الرعاية حين افتقادهم العائل كضرورة وﻻ يمكن أن تحل محل الأسرة وليست بديلة عنها وﻻ تساويها ،
فلا أحد من الناس أشد حرصا ومحبة على أولاده من أمهم وأبيهم ، يقدمون حاجت أبنائهم على حاجتهم دون مقابل فلذلك كان من مقتضيات الحكمة وجوب الشكر لهما بعد الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
وَوَصَيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
13,14,15 من سورة لقمان
ولقد راع الله سبحانه وتعالى أن تستمر هذه العلاقة بين الأبناء والآباء بعد بلوغهم الرشد إذ هما أحق الناس بحسن صحبته وﻻ يكدر صفو هذه الصحبة أي شيء كائن من كان بما في ذلك حق الله سبحانه وتعالى في حال اختلاف دين الأبناء عن الآباء بل ينبغي أن تبقى حقوق الوالدين مصونة لدى الأبناء،
كما في الآية السابقة
كما يجب على الأبناء أﻻ يتعاملوا مع الآباء بالمثل بل يتذكرون كيف كان آباؤهم معهم حال صغرهم ، وﻻ تقبل أي مبررات لعقوقهم حتى على فرض تقصير الآباء مع أبنائهم في حال صغرهم، وﻻ يقبل من الأبناء تقديم اللوم لهما ، بل يتوجب عليهم أن يحرصوا في المستقبل تجنب الأخطاء مع أبنائهم والدعاء ﻻبائهم والتحنن عليهم .وقد أرشدتنا الآيات في سورة الأسرى قال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا . رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا } {الإسراء/23-25}
3 – الكون
الكون هو ذلك الفضاء بمافيه من أرض وسماء ، وبحار وأنهار وحيوان ونبات وتوجد علاقة وثيقة بين كل هذه المكونات بحكمة حكيم وتدبير عليم ليس فيها عبث بل بالحق وللحق .
هل ترى في خلقه من فتق أو في علمه من فتق ؟
وتتجلى في الكون أفعال الربوبية والألوهية ، : إن الكون هو تلك المساحة التي تعطي للإله و الإنسان و الأرض فعاليتها ، وديناميكيتها ،
*علاقة هذا الموضوع بالواقع :
1 – ما نطمح إليه هو خروج المتدين من دائرات الجهالة والتقليد الأعمى , إلى دائرة المعرفة والاستبصار, ومن دائرة الإكراه والتركيز على إجبار الآخرين على الدين الحق إلى دائرة التركيز على بيان الرشد من الغي فليس لأي إنسان أن يفرض على إنسان آخر ما يجب أن يؤمن به بأن يفرض عليه دين معين تحت مبرر مصلحة المتدين ,فان ضرر ذلك أكبر ما لو بقى على دين باطل فقتل الشخص لعدم استجابته للدين الحق أشد ضررا فان هذا شأن خاص حتى ولو كان أحد الوالدين أو أي جماعة أخرى , والحرية هنا لا تعني الإباحية فالله سبحانه وتعالى زودنا بالعقل والحرية لكي نستخدمها بشكل صحيح , فمن أهم الأمور التي يجب التركيز عليه أفرادا وجماعات مقدمة ذلك الأسرة والمجتمع ضمان الحقوق الطبيعية للنشئ والشباب ضمان حقهم في الحياة وضمان حقهم في الحرية , وضمان حقهم في تحقيق سعادتهم وبناء مجدهم , على شرط أن يأتوا هم هذه الحقوق لغيرهم .
2 ـ التركيز على العمل الصالح
بكل تأكيد أن العمل الصالح الخير له أثره على الواقع وبدلا من الصراع حول من المؤمن من غير المؤمن ووفي حقيقة لأمر لا نستطيع أن نتأكد من ذلك نركز على العمل الصالح الخيير فان ذلك مفيد لجميع , ونقيم الآخرين من خلا أعمالهم الخيرة والراشدة بصرف النظر عن معتقدهم .
3 – توفير السلام للشباب والحد من اسباب النزاعات وعد م تحميلهم مسؤلية النزاعات الحالية فهم الذين يقتلون وهم الذين يتحملون اعباء الحروب وهم الذين يتحملون تبعات اهدار ثروتهم دون عائد يذكر “ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق …”
4 – التخلي عن الغي الطاغوتي والاوهام والتفريق بن ما هو من الله وما هو من غير الله ” الهيمنة الدينية ”
وعدم طاعة من استخدمون الدين كوسيلة للتامر والثار فهذا من اهم الاسباب المانعة لقبول الحق
فتعليل الفعل بالله من وسائل تغطية الحق فعدم مناقشة موضوع ما بحجة مشيئة الله لان الله لا يناقش في فعله ومشيئته لذلك يلجأ الانسان الى هذه الحيلة
قال تعالى ” …” وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) النحل
5 – التوازن
يقصد به هو وصول الانسان الى حالة من التوافق والانسجام مع ذاته اوﻻ
وبين ذاته ومحيطه ثانيا
وبين ماضيه وحاضره ومستقبله من خلال تصوره للماضي والحاضر والمستقبل
وهو الشعور بالرضا عن ذاته ومحيطه وانسجامه معها ومع محيطه يجعله يشعر بالسعادة والراحة ويدرك قيمة الحياة وقيمة نفسه تمكنه من استغلال مواهبه وتحقيق رغباته بضمير حي ﻻ ينتابه فيه تأنيب الضمير فيتصرف بحسب قدرته ومواهبه فلا يكبت مواهبه ولا يسعى الى حسد الأخرين ..
…………..
…هامش….
1- من كتاب (التوحيد الأعظم) للشيخ أحمد ابن علوان بتصرف
