
من الرياض إلى صنعاء: السلام يبدأ من البيت العربي.. وعُمان مفتاح الحل
الاستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة
لماذا يحتاج العرب إلى تسوية سياسية شجاعة تنهي الصراع السعودي الحوثي وتحمي أمن المنطقة من الاستنزاف؟
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة
أستاذ العلوم السياسية – جامعة اليرموك
لم يعد الصراع بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين مجرد مواجهة عسكرية تدور على الأرض اليمنية، أو نزاع حدودي يمكن احتواؤه بالقوة وحدها؛ بل أصبح اختبارًا استراتيجيًا لمستقبل الأمن القومي العربي، وقدرة دول المنطقة على إدارة خلافاتها بعيدًا عن الاستقطابات الدولية والحروب بالوكالة. فكل صاروخ يُطلق، وكل منشأة مدنية تُستهدف، وكل سفينة تتعطل في البحر الأحمر، لا يمثل خسارة لطرف واحد، وإنما استنزافًا متواصلًا لمقدرات المنطقة وفرص استقرارها وتنميتها.
وفي ضوء التصعيد الأخير، تبرز حقيقة سياسية لا ينبغي تجاهلها: قد تنجح القوة العسكرية في تغيير موازين الميدان، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة سلام دائم، كما أن الانتصار العسكري لا يتحول بالضرورة إلى استقرار سياسي.
ومن هنا، فإن المصلحة السعودية واليمنية والعربية تقتضي الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى استراتيجية صناعة السلام، عبر الأدوات الدبلوماسية والحوار المباشر والوساطة الإقليمية، وفي مقدمتها الوساطة العُمانية، ضمن مقاربة تؤكد أن الحل ينبغي أن يُصنع داخل البيت العربي، وأن تكون القوى الدولية داعمة له لا بديلة عن أصحابه.
أولًا: عندما تصبح الحرب خسارة عربية مشتركة
تؤكد التطورات الأخيرة أن استمرار المواجهة يفرض تكاليف أمنية واقتصادية وإنسانية تتجاوز الحدود السعودية واليمنية. فالمملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني، تشكل ركيزة أساسية في منظومة الاستقرار العربي، وأي تهديد مستمر لأمنها أو منشآتها الحيوية ينعكس بالضرورة على المنطقة بأسرها.
وفي المقابل، دفع الشعب اليمني خلال سنوات الصراع أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره ومستقبله الاقتصادي والاجتماعي، حتى أصبحت الحاجة إلى إنهاء الحرب ضرورة وطنية وإنسانية لا تحتمل المزيد من التأجيل.
والأخطر أن استمرار التصعيد يفتح المجال أمام تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحات للصراع الدولي، بما يهدد التجارة العالمية وأمن الطاقة، ويزيد من احتمالات التدخل الخارجي.
إن أمن السعودية ليس قضية سعودية منفصلة عن محيطها، كما أن استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب؛ فكلاهما جزء من معادلة الأمن القومي العربي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يستطيع إلحاق خسائر أكبر بالطرف الآخر؟ بل أصبح: كيف يستطيع العرب وقف الخسائر المتبادلة، وتحويل المواجهة إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر أمنًا واستقرارًا؟
ثانيًا: لا سلام دائمًا دون معالجة جذور الصراع
أثبتت تجارب المنطقة أن الحلول العسكرية، مهما بلغت قوتها، تبقى محدودة النتائج عندما لا تقترن بتسويات سياسية تعالج الأسباب العميقة للنزاعات.
فالحوثيون، بصرف النظر عن الخلافات الجوهرية معهم، يمثلون قوة سياسية وعسكرية قائمة على الأرض اليمنية، ولا يمكن تجاهل وجودهم عند البحث عن تسوية قابلة للتنفيذ. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لأي تسوية أن تكون عادلة أو مستدامة إذا قامت على الاعتراف بالأمر الواقع العسكري وحده، أو تجاهلت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وبقية القوى والمكونات السياسية والاجتماعية.
إن السلام المطلوب ليس اتفاقًا ثنائيًا لتبادل التنازلات الأمنية، وإنما عملية سياسية شاملة تحفظ سيادة اليمن ووحدته، وتضمن أمن السعودية وحدودها، وتمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار أو الملاحة الدولية.
وهنا ينبغي التمييز بين مسارين متكاملين: الأول عاجل، ويهدف إلى وقف الهجمات وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية؛ والثاني استراتيجي، ويستهدف إعادة بناء الدولة اليمنية ومؤسساتها على أساس الشراكة الوطنية والتوافق السياسي.
إن اختزال الأزمة اليمنية في بعدها الأمني وحده يعني معالجة النتائج وترك الأسباب، بينما يتطلب الحل الحقيقي معالجة أزمة الحكم والتمثيل السياسي والتوزيع العادل للسلطة والموارد.
ثالثًا: سلطنة عُمان.. الوسيط الذي يمتلك ثقة الأطراف
وسط تعقيدات المشهد الإقليمي، تبرز سلطنة عُمان بوصفها الطرف العربي الأكثر قدرة على أداء دور محوري في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الحوار.
لقد استطاعت مسقط، عبر سياسة خارجية تقوم على الاعتدال والتوازن واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، المحافظة على قنوات اتصال مع أطراف متخاصمة يصعب جمعها على طاولة واحدة.
وهذه ميزة دبلوماسية بالغة الأهمية؛ لأن الوساطة …

