مفاهيم اسلامية: الشرك -1

مفاهيم اسلامية: الشرك -1

مقال الإثنين :28 / 9 / 2026

بقلم : د. هاشم غرايبه

يعتبر الله الشرك ظلما عظيما، لأنه افتئات من المخلوق على الخالق بما لا يليق بجلاله وعظم مكانته وانتقاص من قدرته.
قبل أن ينزل الله هديه الى البشر، عبر رسالات متتالية، ظلوا يتخبطون أثناء رحلتهم العقلية في البحث عن الإله: “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ”، كان مرتكز العقيدة هو التوحيد، لذلك اعتبر الشرك أكبر الكبائر، وهو الذنب الوحيد الذي إن مات المرء عليه ولم يتب عنه لن يغفر الله له ولن تناله رحمته: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ” [النساء:48]، وسيكون مصيره جهنم، مهما كانت أعماله الدنيوية صالحة، ومهما بلغت عباداته.
لذلك حذر الله تعالى في كتابه الكريم من الوقوع في الشرك بكافة صوره، سواء كان جليا أم خفيا، وبأكثر كثيرا من الكفر، الذي اغلبه يتحقق لمنكر نعم الله عن جهل أو عن علو واستكبار، وهو ما يمكن تصحيحه بالمعرفة، أما الشرك فيكون عن سابق علم وتصميم، ووفق ما تمليه المصلحة الفردية، أو عن زيغ عن منهج الله.
أشهر أنواع الشرك الجلي وأكثرها انتشارا هو اتباع عقيدة التثليث، وهو الشرك في الألوهية مع الله، وكان نجاح بولس في تعميم هذا المعتفد بديلا لعقيدة التوحيد التي دعا اليها المسيح هو أخطر انجازات بولس ومن وافقه وبدعم قوي من أحبار اليهود، الذين وجدوا أن افساد العقيدة النصرانية أجدى كثيرا من محاولة صد أتباعها عنها أو محاربتهم.
انتشر معتقد التثليث بداية بالإكراه على يد قسطنطين، الذي قام بإعدام القساوسة وعلماء الدين الذين لم يؤمنوا به، فلم يبق من يعارضه، وقام بإلغاء كل ما كان مدونا من تعاليم الحواريين التي كانت المصدر الوحيد لكتاب الله (الانجيل)، وكانت تسمى الذكريات (الديكاسترون)، وتولى مدونون مجهولون كتابة الأناجيل الأربعة، بعد موت من تنسب إليهم بقرون، من غير ذكر لاسم الكاتب، فلم يعد ممكنا معرفة مدى صحة ما دون ونسب الى أحد التلاميذ الأربعة، وهكذا اتبعه الناس كالأغنام، الى أن عم وساد، رعم أنه يناقض العقل والمنطق.
فلم يسأل أحد: ما حاجة الله الى اشراك بعض مخلوقاته معه في الألوهية وهو قادر على كل شيء بلا عون؟.
ولماذا يوزع الله الألوهية والربوبية على ثلاثة أقانيم يقولون أنها متحدة في الجوهر، فكيف يتم توزيع المهام الإلية الهامة كالخلق والتدبير والضبط الرزق وغيرها من دون التداخل والتضارب بين مهام الثلاثة؟.
وكيف لمخلوق (الابن والروح القدس) أن يصبح خالقا مدبرا منافسا للخالق الحقيقي في مهامه، فالله يتميز باستقلاليته في اتخاذ القرار؟.
ولو كان المسيح ابن الله المنجب (حاشاه عما يفترون)، هل كان سيتركه لحفنة من الأوغاد ينكلون به، من غير أن ينقذه من بين أيديهم؟، وأما قول المسيح أبانا الذي في السموات وأحيانا أبي، فهوللتعظيم والتوقير، ولا يعني أنه الأب البيولوجي له أو لغيره، فالمسيحيون جميعهم ينادون البابا أورجل الدين بـ (أبونا).
أما القول المنسوب الى المسيح وهو على خشبة الصليب “الهي الهي لماذا تركتني” [متي27:46] فيثبت بدلالة قاطعة بأن المصلوب ليس هو المسيح، لأن المسيح كان يردد أن الله دائما يستمع له ويستيجب لدعائه، فلا يمكن أن يعرض الله عنه في أقصى ساعات الشدة.
أما قصة الفداء والتخليص التي جاءت لتبرير الصلب فهي غير مقنعة للأسباب التالية:
ولد المسيح بعد آلاف السنين من خلق آدم، فما هو مصير هؤلاء الملايين الذين ولدوا قبل المسيح إن كانوا سيحملون وزر خطيئة أبيهم؟، وأين العدالة الالهية في ذلك؟.
إن كان الله وحده هو من يغفر الذنوب، فما حاجته الى كل هذه القصة الطويلة لتكفير ذنب من لا ذنب ارتكبوه غير اكتسابه بالوراثته عن أبيهم (كما يقولون)، فيما هم صالحون ومستقيمون ، ومنهم على الأقل الأنبياء والرسل والصالحين الذين وجدوا قبل المسيح أصلا ووعدهم الله بالجنة.
لكل ما سبق نفهم عظم ذنب الشرك ومدى إضراره بمعتنقيه، فهو رأس الرذائل وأس البلاء، لأنه يهدي الى الضلال والخسران المبين.
الصورة الأخرى للشرك هو التشيع، وسابحث فيه بمقالة أخرى.

مقالات ذات صلة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى