(وهّلأ لوين ) …تساؤل بحجم الالم

قاسم محمد ابو فارة
وجد الفيلم اللبناني (وهلا لوين) طريقه الى دور العرض في عمان في خطوة يمكن اعتبارها موفقة جدا, فالفيلم هو افضل ما تم انجازه في السينما العربية في السنوات الاخيرة وعندما شارك الفيلم في مهرجان (كان) السينمائي هذا العام فاز بجائزة (فرانسوا شاليه) للافلام المدرجة تحت زاوية (نظرة ما) ثم فاز بجائزة (كاديلاك) لتصويت الجمهور في مهرجان (تورنتو) السينمائي وهي جائزة رفيعة فازت فيها افلام قيمة كتوطئة للفوز بالاوسكار مثل افلام (خطاب الملك) و(الجمال الامريكي) وغيرها وحقيقة فان دور السينما المحلية تعرض على الاغلب الافلام العربية الكوميدية ذات القيمة المتدنية جدا ومن غير المعتاد وجود افلام رفيعة المستوى كهذا الفيلم والذي تأتي اهميته من كونه يعالج مشكلة التوترات الطائفية التي تهدد التعايش السلمي للانسانية فالعالم العربي برميل من بارود طائفي وعرقي وهذه النزعات الطائفية والعرقية تخضع لنوعين من الايدي التي تعبث بها فهناك ايد خارجية يهمها تمزيق العالم العربي لاثنيات فسيفسائية متطاحنة وما ولادة دولة جنوب السودان الا اكبر مثال على ذلك وما سمعناه من تباك امريكي على اقباط مصر يؤكد هذا الشيء فلو قامت اسرائيل بهدم كنائس القدس وبيت لحم ما تحركت امريكا والغرب اما اليد الاخرى التي تمزق العالم العربي فهي يد داخلية وهي الاخطر وهذه اليد تتمثل في سياسات حكومية داخلية تتلاعب بخطوط الطول ودوائر العرض لتحويل المجتمع الى قبائل غير متناغمة وكل قبيلة دولة منزوعة التناغم مع القبائل الاخرى ونرى تلك النزعة العدوانية بسهولة عند تفجر اي خلاف بين قبيلتين من هنا جاءت فكرة الفيلم لمخرجته (نادين لبكي) فقد رأت ان احداث (السابع من ايار)المذهبية قد كشفت ورقة التوت الهشة التي تكون جدار لوحة التعايش الاهلي للناس ففي خلال ساعات فاحت رائحة الحرب الاهلية القديمة وعلى هذه الفكرة بنت (لبكي) فيلمها باسلوب فانتازي يحرك الضحك والبكاء فاهل القرية او (الضيعة) كانوا في علاقات انسانية متراصة مثل مشاهد تعاون الجميع في تحديث المسجد والكنيسة وكما ظهر في مشاهد حب غير معلن بين (امال) المسيحية ولعبت دورها (نادين لبكي) نفسها وبين شاب مسلم يدعى (ربيع) ولعب دوره الممثل (جوليان فرحات) وكانت الضيعة تحاول الصمود في وسط تمزقه رياح الحرب الاهلية وراينا كذلك تعاون الشباب من كافة الاديان في احضار مواد تموينية للضيعة المحاصرة بالالغام وقد ذكرتنا مشاهد القرية المحاصرة بالحرب بتلك البلدة في رواية (الطاعون) للمفكر الفرنسي (البير كامو) فبلدة (كامو) عزلها الطاعون عن العالم وفي فيلم اليوم عزل طاعون من نوع اخر اشد فتكا وهو الحرب الاهلية عزل الناس في جزر متنافرة وهي جزر تم تأسيسها على اكذوبة (التنافر الديني) والضيعة في فيلم (وهلا لوين) لم يتم تحديد اسمها ولا الفترة الزمنية التي تمثلها الاحداث بل هي ضيعة يمكنها ان تحمل اسماء كثيرة والتمدد الى اماكن جغرافية متنوعة وفي ازمان متعددة فالمخرجة اشتغلت على فكرة الهم الانساني لان المشكلة الطائفية نجدها في اماكن كثيرة من العالم كذلك وجدنا مخرجة الفيلم تقف على مسافة متساوية من جميع الاطراف فهي لم تقع في مطب الهجوم على طائفة اخرى او حزب ما فكما ظهر (ابو احمد) عند هبوب رياح الطائفية ووصولها للضيعة رأيناه يكسر تمثال السيدة العذراء رأينا كذلك صراخ المرأة (تقلا) على السيدة العذراء في الكنيسة بسبب اعتقادها ان السيدة العذراء لم ترجع لها ابنها بالسلامة كذلك رأينا وفي مشهد عاصف من اجمل مشاهد الفيلم (امال) وهي تصرخ على الشباب المتشاجرين داخل المقهى فهي لم تنحز الى الشباب الذين من ديانتها بل وبخت الجميع وهذا المشهد يؤكد ويثبت فكرة الفيلم الرئيسة وهي كراهية الطائفية وفي مشهد اخر مؤثر جدا رأينا تكسير عكازات طفل صغير في رحى الاشتباكات الطائفية, فالفيلم يتساءل كيف يتحول الجار الذي نتبادل معه المودة واللحظات الحميمية كيف يتحول في لحظات الى عدو?
وفي هذا لا تقدم المخرجة الحلول بل تقترح البديل والذي جاء في عدة صور فانتازية وتجلى في الغناء والموسيقى للتعبير عنه, فالفيلم مليء بالموسيقى والرقصات الاستعراضية الايحائية التي تقول الكثير مثل رقصة النساء في بداية الفيلم وهن يلبسن اثواب الحداد وقد مكنت الخبرة السابقة للمخرجة في اخراج الكثير من اغاني الفيديو كليب من العبور السلس الى الفكرة على موجة الغناء فالناس في عالمنا العربي تهرب من الافلام التي تحبس الفكرة المؤدلجة داخل اطر جامدة والتي يدعي كل من يعمل عليها باحتكار الحقيقة وقد قالت المخرجة (لبكي) انها لم تقصد تقديم فيلم سياسي لذلك كان معظم الممثلين والممثلات في الفيلم من الناس العاديين والذين لم يسبق لهم التمثيل. من الامور الجميلة جدا في الفيلم هو اظهاره المرأة بصورة طيبة وعلى درجة عالية من الوعي, فالنساء في الضيعة اردن تخليصها من الحرب الطائفية وهذا يأتي عبر اجتثاث نزعة العنف من داخل الرجل مثل مشهد (ام سليم) والتي اطلقت النار على قدم ابنها كي تمنعه من الثأر لاخيه وكذلك مشاهد الفرقة الاستعراضية الاوكرانية والتي احضرتها نسوة الضيعة كي يمنعوا الرجال من توجيه البنادق الى صدور البعض وقد شاهدنا الكثير من العبارات الساخرة المليئة بالكوميديا في مشاهد الفرقة الاوكرانية.
هذا الوعي الذي اظهرته نساء القرية ربما يدفع البعض للقول ان الفيلم (شيطن) الرجل ورفع المرأة الى صورة مثالية وحقيقة فان مخرجة الفيلم (لبكي) لم تهدف ابدا الى الحط من قيمة الرجل الذي احتفظ بمكانة جيدة لكن الذكر بطبعه يميل للعنف والفيلم وعبر نساء القرية اراد معالجة هذا العنف من دون مهاجمة الذكر لانه ذكر فقط كما يفعل بعض من يصنفن انفسهن ب¯ (ناشطات) في مجال المرأة وهن حقيقة لا ينشطن الا في مهاجمة الرجل لاسباب شخصية ولم اشاهد في الفيلم (عقدا) مبنية على اسقاطات شخصية ضد الرجل لكن بعض (الناشطات)- وهن بالتأكيد لسن كذلك- يقدمن قراءة (عرجاء) للفيلم ويقفزن عن المشكلة الطائفية اساس الفيلم الى تصويب السهام للرجل وقبل ايام شاهدت اعتصاما لنساء متزوجات من غير اردنيين يطالبن بالجنسية لابنائهن وكم تمنيت لو ارى (ناشطة) واحدة تخلع رداء عقدها ضد الرجل وتخرج من ظل قلمها للوقوف مع هؤلاء النسوة المعتصمات بلغة سهلة كسهولة اللغة السينمائية التي بنى عليها الفيلم احداثه وهذه السهولة جعلت الناس يتدفقون لمشاهدته فالمشاكل الطائفية ومشاكل الاصول تهدد الجميع وهي اوراق بيد المسؤول الذي يطرحها عند هبوب الرياح باتجاه كرسيه واعتقد ان المشاكل الطائفية بين المسلم والمسيحي لا توجد ابدا في بلادنا فالعلاقة بين الطرفين نقية جدا وما عرفت تناغما ومودة بين مسلم ومسيحي في اي منطقة في العالم مثل تلك الموجودة في الاردن وفلسطين. اتمنى لو يشاهد الجميع وفي هذه الظروف الصعبة فيلم اليوم ليتعرفوا على بشاعة الصراعات بين ابناء المجتمع الواحد وليكونوا على حذر من الانجرار خلف ايد تتلاعب بالجغرافي لصالح الشخصي فاي انزلاق خلف اوهام الاصول سيجعل الجميع يرددون ومتأخرين تلك العبارة المؤلمة وهي (وهلا لوين).

أ.ر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى