
#سواليف
تهديد إيراني باستهداف 7 كابلات بحرية يثير مخاوف من اضطراب الإنترنت والخدمات المصرفية ومراكز البيانات في الخليج
تتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليشمل البنية التحتية الرقمية في المنطقة، بعدما لوّح الحرس الثوري الإيراني باستهداف كابلات الإنترنت البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة من الصراع، تمتد آثارها إلى الاتصالات والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية ومراكز البيانات.
وجاء التهديد على لسان المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، الذي تحدث عن وجود سبعة كابلات رئيسية للإنترنت أسفل مضيق هرمز، محذرا من الكشف عن «أهداف جديدة» و«أسلحة جديدة»، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية في 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وتأتي هذه التصريحات بعد تحذيرات أطلقها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، بشأن إمكانية استهداف كابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالمصالح الأميركية في المنطقة، إذا تجددت المواجهة العسكرية مع واشنطن وتل أبيب.
ماذا يحدث إذا نُفذ التهديد؟
تُعد الكابلات البحرية من أهم مكونات البنية التحتية للاتصالات العالمية، إذ تنقل الغالبية الساحقة من حركة البيانات الدولية عبر ألياف ضوئية تمتد في قاع البحار والمحيطات، وتربط الدول بمراكز البيانات والخدمات السحابية وشبكات الاتصالات.
ويمثل مضيق هرمز ممرا مهما للاتصالات في الخليج، إذ تعبره أنظمة كابلات تربط دول المنطقة بالشبكات الدولية، من بينها أنظمة «إيه إيه إي-1» و«فالكون» وشبكة «غلف بريدج إنترناشونال».
وفي حال تعرض كابل واحد للتلف، قد تتمكن شركات الاتصالات من تحويل جزء من حركة البيانات إلى مسارات بديلة، لكن استهداف عدة كابلات في وقت واحد قد يؤدي إلى ازدحام الشبكات وتراجع السرعات وانقطاع بعض الخدمات، بحسب مدى اعتماد كل دولة وشركة على المسارات المتضررة.
ولا يعني ذلك بالضرورة انقطاع الإنترنت بصورة كاملة، إذ تمتلك دول الخليج اتصالات برية وبحرية بديلة، غير أن هذه المسارات قد لا تكون قادرة على استيعاب كامل حركة البيانات في حال وقوع أضرار واسعة ومتزامنة.
هل يتوقف الإنترنت عالميا؟
رغم الأهمية الاستراتيجية للكابلات البحرية، فإن استهداف الكابلات في مضيق هرمز لا يعني شل الإنترنت في العالم.
وتشير تقديرات قطاع الاتصالات إلى أن حركة البيانات العابرة للمضيق تمثل أقل من 1% من سعة النطاق الترددي الدولي عالميا، ما يجعل التأثير المتوقع أقرب إلى اضطراب إقليمي واسع منه إلى انهيار عالمي للاتصالات.
لكن دول الخليج قد تواجه تداعيات أكبر، بسبب اعتمادها على هذه البنية في الاتصال بالشبكات الدولية وتشغيل الخدمات الرقمية، فيما تختلف درجة تعرض كل دولة للخطر بحسب عدد المسارات المتاحة لديها وقدرتها على تحويل البيانات إلى طرق بديلة.
وتتمتع السعودية بميزة نسبية بفضل وجود كابلات دولية تصل إلى سواحلها على البحر الأحمر، فيما تستفيد دول أخرى من الربط البري عبر الدول المجاورة. ومع ذلك، فإن هذه البدائل لا تضمن منع الاضطرابات في حال تضررت عدة مسارات في وقت واحد.
المصارف والتجارة الإلكترونية تحت الضغط
قد تمتد تداعيات قطع الكابلات إلى قطاعات اقتصادية تعتمد على الاتصال المستمر بالإنترنت، وفي مقدمتها المصارف والتحويلات المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية.
وقد يؤدي اضطراب الشبكات إلى تأخر بعض التحويلات الدولية، وبطء التطبيقات المصرفية، وتعطل خدمات الدفع أو الأنظمة التي تعتمد على مراكز بيانات خارج الدولة، لكن حجم التأثير سيتوقف على طبيعة الأضرار ومدى جاهزية المؤسسات لأنظمة الاتصال الاحتياطية.
كما قد تواجه الشركات التي تعتمد على الحوسبة السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي صعوبات في الوصول إلى البيانات وتشغيل التطبيقات، خصوصا إذا تزامن قطع الكابلات مع استهداف مراكز البيانات أو تعطيل مصادر الطاقة والتبريد اللازمة لتشغيلها.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية في ظل الاستثمارات الكبيرة التي تضخها دول الخليج في البنية التكنولوجية ومشروعات الذكاء الاصطناعي، ضمن خطط تنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على النفط.
لماذا يصعب إصلاح الكابلات في زمن الحرب؟
لا تقتصر المشكلة على إلحاق الضرر بالكابلات، بل تمتد إلى صعوبة إصلاحها في ظل العمليات العسكرية.
فإعادة الكابلات إلى الخدمة تتطلب سفنا متخصصة وفرق صيانة قادرة على تحديد موقع العطل والوصول إليه والعمل في المياه التي وقع فيها الضرر، إضافة إلى الحصول على التصاريح اللازمة وضمان سلامة أطقم الإصلاح.
وقد تؤدي المخاطر الأمنية أو وجود ألغام بحرية أو تعذر دخول سفن الصيانة إلى تأخير عمليات الإصلاح، ما يطيل فترة الاضطراب ويرفع كلفته الاقتصادية.
وتشير خبرات سابقة في البحر الأحمر إلى أن أعطال الكابلات المتعددة قد تستغرق أشهرا لإصلاحها في ظروف معقدة، ما يوضح أن الأضرار لا تُعالج بالضرورة خلال أيام قليلة.
هل تتضرر إيران أيضا؟
إن استهداف كابلات الإنترنت لن يكون بلا تبعات على إيران نفسها، إذ تعتمد البلاد بدورها على الاتصالات الدولية والخدمات الرقمية والتبادل الإلكتروني للبيانات.
كما أن الإضرار بالبنية التحتية المشتركة قد ينعكس على دول الخليج وشركات الاتصالات والمؤسسات الاقتصادية التي ترتبط معها شبكيا، وقد يثير تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع.
ولهذا، فإن التهديد باستهداف الكابلات قد يُستخدم أيضا ضمن سياسة الضغط والردع في مواجهة الولايات المتحدة، من دون أن يعني بالضرورة أن قرار تنفيذ الهجمات قد اتُّخذ بالفعل.
الأردن أمام تداعيات غير مباشرة
أما الأردن، فمن غير المرجح أن يتأثر بالطريقة نفسها التي قد تتأثر بها بعض دول الخليج الأكثر اعتمادا على المسارات البحرية العابرة للمضيق، نظرا إلى إمكانات الربط الإقليمي والاتصالات البرية.
ومع ذلك، قد تظهر تداعيات غير مباشرة إذا امتدت الأعطال إلى شبكات الربط التي يستخدمها الأردن، أو تأثرت الخدمات السحابية والمصرفية الدولية التي تعتمد عليها مؤسسات وشركات داخل المملكة.
ولا يمكن تحديد حجم التأثير المحتمل بصورة دقيقة قبل معرفة الكابلات التي قد تتضرر، والمسارات البديلة المتاحة، ومدى قدرة مشغلي الاتصالات على تحويل حركة البيانات.
تهديد يتجاوز الطاقة إلى الاقتصاد الرقمي
يكشف التلويح باستهداف الكابلات البحرية عن اتساع نطاق التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي لا تقتصر أهميته على إمدادات النفط والغاز وحركة السفن، بل يشمل أيضا البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة.
وفي حال تنفيذ التهديد، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في اضطرابات متفاوتة الشدة في الاتصالات والخدمات الرقمية داخل الخليج، مع احتمال امتداد بعض الآثار إلى دول أخرى، وليس انقطاع الإنترنت عن العالم بأسره.
ويبقى حجم التداعيات مرتبطا بعدد الكابلات المتضررة، ومدة تعطلها، وقدرة الشبكات على استخدام البدائل، فضلا عن تطورات المواجهة العسكرية وإمكان وصول فرق الصيانة إلى مواقع الأعطال.

