
في لَحظةِ صَمتٍ
في لَحظةِ صَمتٍ لَمْ أتوقَّعُها، في حياةِ المَنْكوبين، لكنْ سُرعانَ ما تَحوَّلت السماء،َ إلى وابلٍ من الرَّصاص، يَمْتزِجُ بالأوامِرْ من القائد،ِ حاصِروه، لَنْ يَفْلُتَ هذه المرة، أحضِروه حيّاً أو ميّتاً، وما كان على الجنودِ إلا السّمَع، والطاعة. تابعتُ الرَّكضَ خَلفَ الجّبال الوَعِرة، تَسلَّقتُ صُخُورها الشاهقة، بأنفاسٍ متقاطِعة،ِ الجِّبال، تتزيّن بقبَّعاتِ الجّيش، والرّصاص، يتسابقُ لنيلِ وجبته بِشَرَاهَةٍ، إمّا أن تَبقى على الجبلِ المُحَاصَر أو تنحني إلى الألغامِ الدفينةِ في سُهُولِها. نحنُ اخترنا القمّة، ولا نَقبلُ إلا قنّاصةً لتنهي هذا النضال.
بدأت محاصراً من جميعِ الجهات، وأنا وحدي، أُرتِّل لنفسي ثِقَتها، وشُمُوخها، وأسْتَمِعُ إلى أزيزِ الرصاص، كأنَّني في سُباتٍ عَميق، وأشْربُ من يَديّ الدّم المُتَجمِّد، كنبيذٍ معتّق. أضغطُ على الزّناد الذي ملَّ من الإستجابة، كأنَّني أصُرُخ على طِفْليَ العَنيد بأن لا يَقطِفَ زُهور الياسَمين، ولا يُجيب. يَمْتَدُّ جَسَدي، والهواء المغبر، يأخذَ حُصَّتهُ من نَزفي، كالليالي الصيفيّة، على سطحِ مخيّمي، وأنا ألهو في عدِّ النُّجُوم. والحِصار يزدادُ اشتعالا،ً كلهفة أمّي عندما يقتربُ المرض.
لا أحد هُنا إلّا الموت أستنِدَ عليه في حضرةِ الرّصاص والخَوَنة.
الجميعُ باسمٌ، أمام كَبيرُهُم المُرهَق. اقترب المُخبِر عند أُذُنِي يَقول: ألم أقُل لَكَ إتّبع السطر والأمرَ ولا تتمرّد ؟
أثناء نصيحتهُ الخائِنة، كانت ساعتُه تُعطي إشارة لقنّاصِ المروحيّة بأن يَقوم بالإنتقام، ما ذنب الوقت بأن يكون شريكا في توثيق الدم؟؟
هكذا شَعرت عند أوّل طلقة، أنَّ الرَصاصةَ التي سَتحتلُّ مكاناً في جَسَدي، تكونُ هادئةً مطمئنّةً، تمشي إلى مُستقرّها، تنام باسمةً بلا اسْتيقاظ، سَتشفي غَليلها، لأنها لن ترتاحَ يوماً في مَخزنِ الحي، ولنْ ترقدَ بلحظةٍ فخراً في قرارةِ نفسِها، ولن تَشعُرَ يوما،ً بأنّها رمزُ حمايةٍ، وأمانٌ لسيّدها…اليوم، تريد إشباع بارودِها من دمي.
