
الرد على الاستفزازات الإيرانية

لا يكل ولا يمل المسؤولون الايرانيون من اصدار التصريحات المستفزة تجاه الدول العربية، وآخرها التصريح الذي يقول بأن إيران أقامت معسكرات تدريب لعناصر (غيــر إيرانيـة) قبالة سواحل دولة الامارات العربية المتحدة، وأن هذه العناصر قد تم تجنيدها من الأقليات الشيعية في الدول العربية ودول أخرى مثل الباكستان وأفغانستان، وهذا هو نفس الأسلوب الذي اتبعته إيران عندما قامت بتدريب الشيعة العراقيين في معسكرات داخلها لتعيدهم إلى وطنهم لينفذوا لها مآربها ويسهلوا عليها بسط سيطرتها عليه، هذا الأسلوب الذي تتبعه إيران وملخصه (التضحية بالعناصر الشيعية الغير ايرانية لتنفيذ أهداف إيرانية)، اتبعته إيران مباشرة بعد إنتهاء حربها مع العراق سنة 1988، تلك الحرب التي كانت إيران هي المتسبب بها، كون أنها هي الطرف الذي رفع شعار (تصدير الثورة)، ذلك الشعار الذي يقصد به توسيع الهيمنة والنفوذ الايراني في المنطقة، فقد حاولت إيران تصدير الثورة إلى العراق بوسائل عسكرية مباشرة من خلال جره إلى الحرب، وذلك عبر إستفزازات عديدة موثقة سبقت الحرب، منها الاختراقات الحدودية وعدم احترام السيادة العراقية والقيام بعمليات اغتيال لشخصيات عراقية واطلاق التصريحات العدائية وشن عمليات ارهابية داخل العراق، وكل هذه الأفعال تعتبر من الأعمال العدائية، وما ينتج عنها من حروب يتحمل مسؤوليتها من قام في البداية بهذه الأفعال، وعلى الرغم من أن إيران لم تفلح في حربها على العراق التي استمرت ثماني سنوات، وعجزت عن أن تحقق هدف تصدير الثورة بالطرق العسكرية المباشرة، وبعد أن دفعت إيران وشعوبها أكثر من نصف مليون من خيرة شبابها ومئات المليارات من الخسائر الاقتصادية، إلا أن إيران لم تتخلى عن شعار (تصدير الثورة) فقامت بتغيير أسلوب تنفيذ هذا الهدف بالطريقة التي لا تتسبب بمقتل أعداد كبيرة من الايرانيين، أو أن تؤدي إلى خسائر كبيرة في اقتصادها، وها نحن اليوم نلمس الأسلوب الايراني الجديد في تحقيق أهدافها التوسعية، فوقود الحروب التي تشنها إيران في العراق وسوريا واليمن هم أبناء تلك البلدان من الأقليات الشيعية العربية، بينما الايرانيون يلعبون دور الخبراء والمستشارون العسكريون الذين يخططون ويرسمون للمعارك التي يشنها العرب الشيعة ضد اخوانهم العرب السُنة، أما تمويل تلك الحروب فيتم بعوائد النفط العربي العراقي والسوري، ولا يُحمل إيران أية تبعات اقتصادية، إذاً ما الذي يمنع إيران من أن تواصل سياستها الحالية، ما دام الثمن رخيص، وهو هدر الدم العربي والنفط العربي؟
إن سبب تمادي إيران في سياستها، سواء على الأرض من خلال تدخلها المباشر في إثارة الحروب في الدول العريية، أو من خلال تصريحات مسؤوليها الاستفزازية والفجة تجاه الدول العربية، ليس مرده وجود عوامل قوة طاغية لدى إيران لا يمكن التصدي لها، بل لأن الدول العربية نفسها لم تتخذ الاجراءات الكفيلة بوضع حد للتمادي الإيراني، فمن النواحي الاستراتيجية إيران فيها العديد من عوامل الضعف البنيوية الكفيلة ليس فقط بإيقاف تدخلاتها، بل وحتى بتفتيتها من الداخل، ومنها على سبيل المثال:
(1) إيران تتكون من عدة شعوب تتحدث لغات مختلفة ومن أصول متعددة، فهي غير موحدة من الناحية العرقية، حيث يعيش فيها الفُرس والأذربيجان والأكراد والعرب والبلوش والتركمان والأشوريين والأرمن وأتراك خراسان والقشقاي والمازندران والجيلاكي واللور . . الخ، وكثير من هذه الشعوب غير معروفة لدى أبناء الأمة العربية على الرغم من أن أعداهم كبيرة، ولا يشكل الفُرس أنفسهم سوى أكثر بقليل من ثلث عدد السكان ولكنهم يفرضون لغتهم الفارسية كلغة رسمية واحدة على باقي الشعوب، ويتم تجاهل حقوق تلك الشعوب التي تضم الملايين من البشر من كافة النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية، فأغلب ثروات إيران من النفط والغاز (85%) يتم استخراجها من منطقة الأحواز العربية التي احتلتها ايران سنة 1925م ولا يستفيد من عوائد هذه الثروات سكان الاقليم العربي المحتل، وقد نتج عن ذلك أن تشكلت العديد من الحركات التي تمثل تلك الشعوب، والتي كان هدفها في البداية تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، ثم ما لبثت أمام القمع الوحشي والتعنت الفارسي أن تحول بعضها إلى المطالبة بحق تقرير المصير، وأصبحت منظمات تحرر وطنية مسلحة، وقد تصاعدت هجمات تلك المنظمات مؤخراً وبخاصة من قبل الأذربيجان والأكراد والعرب والبلوش وهم أكبر الشعوب بعد الفُرس في إيران، وعلى الدول العربية وبخاصة الخليجية أن تسارع إلى دعم تلك الحركات التحررية عسكرياً ومادياً وإعلامياً وسياسياً وأن تفتح لها قواعد في أراضيها.
(2) إيران كلما أرادت أن تحقق مكسباً تفاوضياً مع الغرب، تقوم بالتلويح بإغلاق مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، والذي تمر من خلاله أغلب الصادرات النفطية الخليجية، ولا أدري لماذا تصر الدول الخليجية العربية أصلاً على استخدام ذلك المضيق؟ فالسعودية لديها واجهة بحرية طويلة على البحر الأحمر في الغرب تغنيها عن الحاجة إلى تصدير النفط من خلال مضيق هرمز، والامارات قامت مؤخراً بمد أنابيب نفط إلى سواحلها على خليج عُمان للتخفف من اعتمادها على تصدير النفط من خلال مضيق هرمز، وليس أسهل على الدول الخليجية من أن تصدر نفطها وغازها بواسطة الأنابيب عبر الأراضي السعودية إلى موانئها على البحر الأحمر، وبهذا تستغني عن مضيق هرمز وتحرق ورقة إيران التي تستخدمها ضدها، لا بل يمكن لدول الخليج نفسها لو تمكنت من الاستغناء عن مضيق هرمز أن تهدد هي نفسها إيران بإغلاق المضيق، كونه الممر الرئيسي لصادرات ايران من النفط والغاز، ولا تمتلك ايران في الوقت الحالي الموارد المالية الكافية لاقامة مشاريع لنقل نفطها بالأنابيب إلى موانئها على خليج عُمان.
(3) المعارضة الايرانية التي تعيش في عواصم الدول الغربية والتي ينقصها الدعم والتمويل والرعاية، على الدول العربية أن تسعى لتبنيها والتفاهم معها ودعمها اعلامياً وسياسياً، ونقل مقراتها إلى الدول العربية لتمارس نشاطاتها بحرية من خلالها.
(4) رجال الدين الشيعة البارزين والمعارضين لولاية الفقيه وللتدخلات الايرانية في دول الجوار، والذين يتبنون الفكر الشيعي المعتدل وبخاصة العرب منهم، ينبغي دعمهم وتوفير المنابر الاعلامية لهم لمخاطبة عوام الشيعة العرب، لتوضيح حقيقة ما تفعله إيران بهم من إستغلال لمشاعرهم الدينية لتأجيج الطائفية لديهم ليكونوا أدوات هدم لأوطانهم ليتسنى لإيران مد نفوذها عليها.
(5) على الدول العربية أن تسعى لمخاطبة الداخل الايراني، الذي يعاني من تعتيم اعلامي عما يجري في خارج إيران، والذي يرزح تحت سطوة الإعلام الايراني الرسمي الموجه، وذلك بإنشاء القنوات الاذاعية والفضائية المتخصصة بلغات الشعوب الايرانية، من أجل فتح عيون تلك الشعوب على حقيقة ما تقوم به إيران، واستمالتها وكشف الدور الذي قام به النظام الايراني من تفتيت للشعوب والأوطان الاسلامية.
وختاماً فإن إيران عبارة عن قلعة كبيرة جداً وضخمة، ولكنها من القش، ويكفي عود واحد من الثقاب لتحويلها إلى رماد، وإذا إستطاعت إيران أن تستغل وجود الأقليات الشيعية في بعض الدول العربية للتدخل بتلك الدول، فإن في إيران نفسها عشرات الأقليات الاثنية والدينية المقموعة والتي تتطلع إلى الإنفكاك من الأسر الفارسي، وإذا تلاقت مصلحة العرب بالتخلص من الخطر الايراني مع مصالح تلك الشعوب في الرغبة بالتحرر من السطوة الفارسية، فإن إيران سيتم محوها عن الخارطة.

