
#سواليف
في الحروب، كثيرًا ما تصنع الصور ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه. وبين آلاف المشاهد التي وثقتها عدسات الكاميرات خلال الحرب على قطاع غزة، برزت صورة لمقاتل فلسطيني يقف إلى جانب أسير إسرائيلي خلال مراسم الإفراج عنه، قبل أن يُفاجئ الأخير الحاضرين بتقبيل رأس آسره في مشهد أثار جدلًا واسعًا داخل “إسرائيل” وخارجها.
لم تكن تلك اللقطة مجرد تفصيل عابر في عملية تبادل أو إفراج، بل تحولت إلى حدث سياسي وإعلامي ونفسي لافت. فقد رأت فيها أوساط فلسطينية رسالة تتعلق بطريقة تعامل المقاومة مع الأسرى، فيما أثارت حالة من الجدل داخل المجتمع الإسرائيلي الذي وجد نفسه أمام مشهد يناقض كثيرًا من الروايات والصور التي جرى الترويج لها طوال أشهر الحرب.
وسرعان ما انتشرت الصورة في وسائل الإعلام العالمية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى مادة للنقاش والتحليل. وبينما ركز البعض على البعد الإنساني للمشهد، رأى آخرون فيه دلالات تتصل بمعركة الوعي والرواية التي رافقت المواجهة العسكرية منذ اندلاعها.
لكن الرجل الذي عرفه كثيرون من خلال تلك الصورة لم يبق مجرد وجه عابر في مشهد إعلامي. فقد واصل حضوره في الميدان ضمن صفوف المقاومة، إلى أن أُعلن عن استشهاده، لينتقل اسمه من صفحات الجدل الإعلامي إلى سجل الشهداء الذين ارتقوا خلال المعركة المستمرة.
ومع انتشار نبأ استشهاده، عادت الصورة الشهيرة إلى الواجهة مجددًا. آلاف المنشورات استحضرت المشهد الذي جعل من “سباعي” اسمًا معروفًا لدى جمهور واسع لم يكن يعرف عنه شيئًا قبل تلك اللحظة. فالصورة التي التُقطت في ثوانٍ معدودة صنعت له حضورًا استثنائيًا، وحولته إلى رمز ارتبط بإحدى أكثر اللحظات إثارة للجدل خلال الحرب.
وتقول شقيقته، فرح أبو حسنة، بصوت يملؤه الحزن: “لم يكن سباعي شخصًا عاديًا بالنسبة لنا، بل كان روح البيت وسنده، وكل حياتنا. كان يستعد للزواج، وجهّز كل شيء لخطوبته، واشترى ملابسه وأكمل ترتيباته، لكنه رحل قبل أن يحقق حلمه الذي انتظره طويلًا، بعدما قضى سنوات الحرب منشغلًا بواجبه”.
وأضافت : “لم يمهلنا الاحتلال وقتًا للفرح، فقد اختطف سباعي من بيننا في يوم زفاف شقيقتي، ليحرم عائلتنا من اكتمال فرحة كانت تطرق أبواب بيتنا”.
وتابعت: “بعد استشهاد شقيقي، تفاجأنا كما تفاجأ كثيرون بأنه المقاتل الذي ظهر في الصورة الشهيرة التي قبّل فيها الجندي الإسرائيلي رأس آسره، وهي الصورة التي أحدثت ضجة واسعة في الأوساط الإسرائيلية والعربية والعالمية”.
وأشارت فرح إلى أن ما حملته الصورة من معاني الرحمة وحسن المعاملة لم يكن أمرًا غريبًا عن شخصية شقيقها، مؤكدة أنه كان صاحب قلب رحيم وعطوف على شقيقاته الثماني، يحيطهن بالرعاية والاهتمام دون تمييز.
واليوم، يغيب “سباعي” جسدًا بعد أن ارتقى شهيدًا، لكن الصورة التي ارتبطت باسمه ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة. فبين مشهد هزّ الاحتلال وأثار نقاشًا واسعًا، وبين موكب الشهداء الذي انضم إليه لاحقًا، تتجسد قصة مقاتل جعلته لقطة واحدة جزءًا من ذاكرة الحرب، ورمزًا للحظة ستبقى حاضرة في سجل الأحداث التي طبعت هذه المرحلة من تاريخ غزة.

