في الارشاد إلى سبيل الرشاد 2 / عبد اللطيف مهيوب العسلي

في الارشاد إلى سبيل الرشاد 2
*** ثلاث مرتكزات للعقلانية الرشدة

1 – الركيزة اﻻولى بلوغ علامة الرشد
تبنى العقلانية الراشدة على القول ان البشر يمتلكون أبنية عقلية تجعلهم يبنون أفعالهم على اختيار أحسن الوسائل الفعالة لتحقيق الغايات والأهداف الذي ينشدونها
ومن أهم علامة الرشد اوﻻ : بلوغ سن النكاح ثانيا : انسجامه مع نفسه ، وقدرته على ربط العلاقة بين الهدف والوسيلة، اختيار أحسن الوسائل لتحقيق أهدافه فلا يتصرف ضد مصلحته ، وامتلاكه ملكة عقلية يميز بها بين الصحيح والفاسد ، وتحمله المسؤلية الشخصية فيما يوجب العقوبة ، واستحقاقه المكافأة فيما يستحق من الثواب……..
العقلانية الراشدة بحدها المقبول و المعقول من التصرف الواعي هي عكس السفه .
ولقد حرص القرأن الكريم على الاهتمام بالانسان كاهم ركيزة بهذا الكون منذ طفولته وقبل بلوغه سن الرشد وخاصة من أفتقد العائل ، فمن لا يبلغ سن الرشد فان المسؤلية تنصب على ولي الامر لرعايته وعلى مؤسسة الاسرة ، وان عجزت تتحمل المسؤولية الدولة والمجتمع.، كما في حالة فقدان الوالد او الوالدين فان المسؤلية يتحملها أقرب الناس اليه، وعليهم مسؤلية أخلاقية واجتماعية ودينية برعاية اليتيم الذي لم يبلغ الرشد، ومن ذلك الحرص على الحفاظ على ما خلفه عائل اليتيم وﻻ يهدرونه ، ويحيطونه بالعناية اللازمة وينفقون على فاقد الرشد بقدر الحاجة ، وهذه الوصاية مؤقته الى حين يبلغ سن النكاح ويتبين الرشد ، فاذا تبين الرشد يدفع اليه حقوقه غير منقوصة ولقد بين لنا الله ذلك في كتابه تبينا واضحا ومفصلا في سورة النساء ….

يقول سبحانه وتعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾

[ سورة النساء: 5-6 ]

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾

[ سورة النساء: 5]

أي جعَل الله بأموالهم قيامًا، فالمال أساسي في الحياة، فبالمال تتزوَّج، وبالمال تشتري بيتًا، وبالمال تنفق على نفسك، وعلى أهلك، وعلى أولادك، بالمال تنفق في سبيل الله، وبالمال ترقى، أي المال قوام الحياة، قوام الحياة الدنيا ووسيلةٌ إلى الدار الآخرة، والسفيه حين يبذر هذا وﻻ يحسن التصرف فيه والاستفادة منه فان ذلك يرجع إلى تصوره فليس للمال قيمة لديه ، ولانه اسقط قيمة المال، وهي قِوام الحياة وصف بالسفه.
وﻻهمية قيمة المال فالله جلّ جلاله نهانا في الآية التالية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا :

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أما حين يكون عدم الرشد بسبب صغر السن
فحين يكبر هذا اليتيم، وهذا الصغير، وتأنَسُ منه رُشدًا، وعقلاً، وحكمةً، فيجب أن تؤدِّيَ له مالهُ،
وهذه أوَّل إشارة بالقرآن إلى ما يسمى بالعُمر العقلي، والعمر الزَّمني، فان ظهر منهم ما يدل على علامة التصرف العقلاني الراشد
قال تعالى:

﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وبدارا﴾

أرشدنا القرآن الكريم الى أن التصرف الراشد هو دفع مال اليتيم في حال تبين رشده ، وفي حال عدم تبين الرشد بعد سن بلوغه فليستمر بالحفاظ على مال اليتيم وﻻ يأكلوها اسرافا بدارا فاكلها ممن له الوصاية على اليتيم اسرافا بدار أعظم جرما ووزرا مما لو أكلها اليتيم اسرافا وبدارا ﻻن المال حق اليتيم، قال تعالى محذرا من الوقوع بهذا الظلم ((ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ))من سورة النساء
وله في ان يتجر بمال اليتيم بما فيه مصلحة اليتيم وله ان يأخذ أجرته كمثل غيره. ، والأولى ان كان غنيا ان يستعفف ، وكذلك ان اقتضت مصلحة اليتيم مخالطة مال اليتيم مع ماله حين يكون ذلك مفيدا بطرقه المعروفة ، وشروطه المتعارف عليها شرعا وقانونا.وان يوثق كل شيء مفصلا وبشفافية ،
وقد يخل الوصي بهذه المسؤلية ويتصرف تصرفا غير راشدا ، وينفق المال على اليتيم ببذخ واسراف وﻻ يحاول ادخار جزءا من مال اليتيم بتجارة ، فعلى سبيل المثال قد يختار الوصي اخراج نفقة ايجار السكن ، ويكون ذلك خيارا سيئا، ولو اختار شرى منزلا لكان هو الخيار الأفضل ،حتى اذا كبر قال له قد انتهى مالك أنفقته عليك وهو في حقيقة الأمر كان لديه خيارات أفضل لمصلحة من لم يبلغ الرشد .
. قال تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
وفي حال توجب القيام بدفع مال اليتيم ، يجب الحرص أن يكون التسليم علنيا ، وواضحا للعيان، وبشفافية ﻻ غموض فيه ، وبحضور شهود يشهدون على تسليمه ، وعليه اﻻ يخفي شيئا ويسلمه كل الوثائق وكل ما يخصه يعني حسابا دقيقا ، فان قصر فل يستعد لحساب الله يوم يقوم الناس لرب العالمين.
قال تعالى:
﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا* سورة النساء 6

المرتكز الثاني :
المشاركة الفاعلة مع المجتمع
المشاركة الفاعلة والتبادل الاجتماعي أصبح ضرورة فلا يستطيع أحد العيش بمفرده فهو يحتاج الى الأخرين وخبراتهم كما انه يحتاج للعلاقات الاجتماعية كونها تمثل أساسا للتماسك الاجتماعي. ..
وتبدأ المشاركة بانسحام الفرد مع الاسرة ومشاركته الفاعلة معها ونفس الشيء مع مجتمعه، وتنتهي بالاعتراف بالحقوق الانسانية للجنس الانساني جميعا …
كذلك الحال في التصرف الراشد لمؤسسة الدولة
تبدا باعتراف مؤسسات الدولة بحق المشاركة للمجتمع. وحقه بتكافؤ الفرص ،
ونفس الشيء يمكن أن يقال عن علاقة الدولة بالدول الأخرى تبدأ باعتراف مؤسسة الدولة بحقوق الدول الأخرى ، من خلال الاعتراف بالوثائق الدولية والمعاهدات واحترامها والمشاركة الفعالة في ترسيخ مبادىء السلام والامن والاستقرار بين دول العالم وشعوبها ، وتنتهي بالحكم الرشيد القائم على المشاركة والشفافية والمسائلة وبالتالي فان الحكم الرشيد يسمح بخلق علاقة وثيقة بين افراد المجتمع الواحد وتؤسس علاقة رشيدة بينها وبين الشعوب الاخرى وتؤسس لمباديء تحترم الحقوق الانسانية وتحافظ عليها ولا تسمح بالمساس بها ،

.لقد بين الله سبحانه وتعالى بان الأنسان اصله واحد، وأن عليهم أن يتعاونوا فيما بينهم بروح من المحبة والمودة
وذكر هم بالحقوق المشتركة بين الناس والذين يرجعون الى اصل واحد قال تعالى :
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1))) سورة النساء.

وكذلك في قوله تعالى في سورة الحجرات
(( ٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13

وكلها تركز على التعامل الحسن الراشد ..
نستنبط من ذلك أن أهم المرتكزات للتصرف الراشد هو احترام الحقوق الانسانية المشتركة وعدم المساس بها والتعامل بروح المحبة الانسانية الموجبة للتعارف والتعاون ..فلا يتكبر بعضنا على بعض وقد خلقنا من رحم واحد ونفس واحدة وهذا انما هو اعلان عالمي قبل كل شيء يعلن للانسانية زيف الأوهام والتفاخر بالانساب حتى بلغ بالبعض أن يدعوا أنهم ابناء الله واحباؤه .
أما السمة الثالثة او المرتكز الثالث هو :
التخلص من التقليد الأعمى والتبعية العمياء فلا ينسجم الرشد مع التبعية ﻻن الرشد بأبسط معانيه بدون علم يعني قدرة الفرد على اختيا أحسن الوسائل لتحقيق هدفه
، وبالتالي فان علمه بفائدة الشيء ونتيجته باعث على التهَمُم به . والاخذ في طلبه لتعلق النفس بما يفيدُها ,ويكون قد نجح إن وافقها بتحصيل الفائدة يعطيه حافزا يشجعه على تكرار الافعال الايجابية ويعطيه الثقة بنفسه ، وإلا على العكس فقد يحصل لظروف معينة لا علاقة لها بحسن تصرف الفاعل .. .ولذلك فإن الفساد عدو التصرف العقلاني الراشد فحين يتوقع الفاعل مكافأة لفععله الحسن واذا به يفاجأ بعدم المكافأة او بالعقوبة فان ذلك سيكون له ردت فعل عكسية ، وسيسقط الفاعل من حسبانه قيمة الأفعال الحسنة
.فالناس يتصرفون على أساس القيم التي رسخت في أذهانهم لتلك الأشياء التي يفعلونها ، أو المبادىء والقيم التي يؤمنون بها ووفقا لاختيارهم
الحر المبني على معلومات واقعية وصحيحة ﻻ على وهم وعلى فرض وقوعهم بالخطأ كونه وارد ، لكن ان يخطي الفاعل تبعا ﻻجتهاده هو ووفقا للمعلومات التي توفرت لديه و اتبعها خير من أن يقلد خطأ غيره فانه لن يتمكن تصحيح خطأ الاخرين ،بينما سيتمكن من تصحيح خطائه هو ، وسيعالج خطأه وسيعتعلم من خطائه، وهذا بحد ذاته يكسبه الشعور بذاته والشعور بأهميته كفرد وكأنسان له حقوق وعليه واجبات ، ومن يتمحص جيدا في مجتمعنا العربي يجد الاحباط لدى الشباب مما يجعلهم لقمة سائغة لاستقطابهم في الحروب والزج بهم في وقودها ويجعلهم وسيلة للجماعات المتطرفة يدفعونهم الى الانتحار دون أن يكون لهم أدنى دراية بمخاطر ما يفعلونه وليس لديهم رؤي أو هدف لما يطمحون اليه ، ولعلى بعض من المسؤلية يتحملها المجتمع والحكومات والعلماء في العلوم الدينية لغياب الشفافية والوضوح
.ان التسلح بالعلم والمعرفة يدحض زيف الأوهام القائمة على تقديس العنصرية بكل أشكالها فليس هناك جنس انساني ينحدر من عنصر مميز ، وانما يكتسب تمييزه بما يتصف به من خلق كريم وأن اي شخص متاح له ان يرقى الى أوج العلى بالعلم والمعرفة فيوصف بخير البرية محسنا ، ويوصف بشر البرية مسيئا. ، وكل انسان له القدرة على الاختيار الحر لم يريد أن يكون .
وعدم ايمانه بالاوهام تجعله ﻻ يتكبر ﻻن الكبر من اكبر الموانع لمعرفة الحق وحين يظهر الكبر يختفي الرشد ويغمط الحق ، ويكون أشد خطرا ان ظهر الكبر بشكل زعامة أو طائفية أو حزب مما يسبب فسادا على المجتمع ، ويهدد أبسط الحقوق الانسانية
ويعرض المجتمع للهلاك .قال تعالى:
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) من سورة الاعر

وﻻ أدل من ذلك بما يعرف بجنون القوة ( الغطرسة) أو ما يسميها البعض بجنون العظمة التي التي أساسها الكبر وهي أعظم داء يبتلى به المجتمع فهي مدمرة بحق من يتمثل بها وبحق مجتمعه ومدمرة بحق اﻻخرين .
……

** أيها المكنى بالفساد !
أتطمع بالرشاد لكن أنى لك ذلك ؟!
اﻻ تعلم أن الرشاد برئ من الفساد فلا يسالمه .؟
وبرئ من الغي فلا يشاركه.
انتقل أوﻻ من صف أهل الغي والفساد الى صف أهل الصلاح والرشاد……..
واطلق أسارك من قيودها ، واكشف الغشاوة عن عينيك لترى الأمور على حقيقتها، وارض عذارك من شتاتها ، واغسل سواد فؤادك من سوء فعالها .
واقطع قواطع الموبقات لتصل ما ﻻ ينبغي ان يقطع مما أمر الله به ان يوصل. .
ثم استمطر بين يدي رحمة موﻻك من سحائب جوده الثقال ماء الحياة المحي للصفات ، لتثمر شجرة نقاء قلبك بالوان من محاسن الاخلاق ، تتندرج بعقد أهل الرشاد.
كذلك يحيي الموتى لعلكم تذكرون
اﻻ ترى كيف استنهض الله أهل الهمم ؟ بقوله تعالى:
(( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث ﻻ يخرج اﻻ نكدا ، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون )) سورة الاعراف.
ربنااتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى