غزوات غازي

غزوات غازي
د. جودت سرسك

حين يراودك اسمُه يروح ذهنُك إلى فكرِ الغزو وألمِه يعتريك مفهومُ الغزو الثقافيُ والغزوُ العراقيُ والغزو الاسلامي والمغولي الأمريكي لبغداد.له من اسمه نصيبٌ فليس سباعُ البرِّ مثل ضباعِه ولا كلُّ من خاض النيابةَ عنترُ. كلما حاولت أن أرسمَ صورتَه الوطنيةَ وأبدأ حديثي تشدّني إلى فكرة الغزوِ حبالٌ ثخينة ويجول في قلمي غزو فكري يتربّع على عرشه إعلام جوويل وصحافة إجبد يجتاحني غزوٌ أشرميٌ بحجم الفيل, تتمثل أمام ناظريّ صورة الفيل ولا شيء يخفّف رعبي منه سوى أن أداعبه بقلمي.
إن حدائق العالم لا تحبّذ تربية الفيل بسبب اهتياجه الشديد وارتفاع منسوب هرمون التستستيرون النيابي لديه. وما أشبه الفيل بالفيل, بلوغُه مقاربٌ للبشر فذكورها تبلغ في الخامسة عشر وإناثها في الثالثة عشر وحمله وفطامه في اثنين وعشرين دورةً ويزيدُ بأمرٍ ملكي بمرسوم زئيرٍ لا خَوَرَ فيه, يشبه في فطرتِه المواطن الغلبان حملُهُ وولادتُهُ وبعضَ أصحابِ النوائبِ في طعامه ونهمه فيبلغُ حجمُ طعامه اليوميّ مئةً وعشرين كيلو ومئةً وتسعين لتراً ماءً. إنّ الفيل يا سادة يا كرام لا يموتُ لكرامته أو هيبته أو شرفه إنما يموتُ لتكسّرِ أسنانهِ فيعجزُ عن الأكلِ فيموتُ جوعاً.يا غازي مالنا لا نأكلُ ولا نشبع؟! قال: تُراكم لا تجتمعون على طعامٍ ولا كرامةٍ ولا قلبٍ رهيف ولا تذكرون يتيماً ولا مسكيناً وتأكلون التراث أكلاً لمّا وتحبّون الخنوع والبُنيانَ وزيادة رصيدكم حبّاً جمّا, فيأكلكم أبرهةُ بفيله وتنهشكم طيور السماءِ جِيفاً.
يُحكى أنّ أميرةً ثار عليها شعبها لنُدرةَ الخبزِ في ذاك الزمان, فلمّا وصلها الأمرُ احتجّت وغضبت فقالت: ولِمَ لا يأكلون البسكوت عِوضاً عن الخبز؟.
لله درّكَ يا غازي حين تُطلُّ بجبهتكَ السمراء فإنّك تُراقص الحنينَ في قلوبنا, تحمِلُ بساطتنا وخشونةَ يدنا وطيبتنا وطينتنا, ما أشرف وقفتك بين يدي الله, يعرفك المؤمنون والكادحون والعابرون والسالكون ويهابك المُغرضون والمرتشون وفيلة أبرهةَ واللّصوص. لقد تجاوز اسمك كلّ الدلالات اللّغوية ولم تعترف بمعاهدات واتفاقيات قبائلِ الخِسّةِ فطردوك فعشتَ حرّاً ثوريّاً فتوشّحتَ شماغكَ الأحمر كزهرِ الدحنون.
ما أشبهنا يا غازي في هذا الوطن بأبناء القطةِ السوداء وصعاليك الجزيرة الإفرنجيّة خُلعائهم الذين خلعتهم قبائلهم وأبناء الحبشيّات السود الذين نبذهم آباؤهم وأعيانُهم وأمراءهم.
ما أشبهك يا غازي بعروةِ وردِنا وما أشبههم بعورته. أيُغضبكَ أنّك صعلوكٌ من صعاليكنا تسرقُ الكرامةَ لتُطعمنا إيّاها, يُغضبهم صوتُكَ وترنّماتُكَ بالآيات دون وَجَلٍ تضعُ كفّيكَ على أذنيك حتى توصلها بأنغامٍ حالمةٍ حرّةٍ لا يُشوّشها صوتُ النّشاز.
وللهِ صعلوكٌ صفيحةُ وجهِه كضوءِ شهابِ القابسِ المُتنوّرِ
يا من تجمعُ بين نُبلِ معاوية وعدلِ عُمَرَ وعزّته, فنأتمُّ بكلماتكَ ونجمعُ كرامةَ شِعرِكَ من بينِ رمال الصحراء.
يلوحُ لنا يا غازي طيفُكَ كعُروةَ ابن الورد في أحلامنا فقد أمحلنا وأقحطنا وأخصبوا وألبنوا. يصدحُ صوتكَ في النائبات أن اجلسوا فقد آذيتم وآنيتم وتخطّيتم الرقاب فلا صلاةَ لكم ولا طُهرَ يُجلّلُكم.
اثبت أُحُد فإنّ عليكَ أبا عبيدة وجعفرَ ومقامات شُعيب وأيّوب وموسى وصوتَ غازي والله يُضعّفُ لمن يشاء.
إنّ صفقةَ القرن واتفاقية الغاز يا غازي أمرٌ لا يليق الحديث به حسب طقوس وأعراف موريتانيا فإنّ الأب يخجلُ من زوج ابنته وإخوانها لا يعرفون زوج أختهم حتى النّساء لا يتكلمن عن الحمل والرّضاعة, اصمت فلا يليقُ بالرجال أن يظهروا على عورات النّساء, ماأشبهكَ بصلاح وما أشبههم بذوي العيون اللّوزيّة والأنف الأفطس فشتّان بين سلمان وسليمان فَكلهم خالد وملعوني والد.
J_sh_s@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى