غزة بعد عام من وقف إطلاق النار.. لماذا لا يعود النازحون إلى بيوتهم؟

#سواليف

تتزايد المخاوف من تحوّل النزوح الواسع في قطاع غزة إلى واقع طويل الأمد، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على الوصول إلى مساحات واسعة من القطاع، والدمار الهائل الذي لحق بالمساكن والبنية التحتية، وتعثر تنفيذ ترتيبات المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار، رغم التعهدات السياسية والمالية المعلنة.

وتواجه عودة مئات آلاف الفلسطينيين إلى مناطقهم تحديات تتجاوز وقف إطلاق النار، إذ ترتبط بمدى الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة السيطرة الفلسطينية على الأرض، وتمكين الجهات المدنية من إدارة القطاع، وفتح المناطق السكنية أمام السكان، إلى جانب توفير التمويل اللازم لإصلاح المنازل وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

اتفاق وقف إطلاق النار.. تنفيذ متعثر وعودة مؤجلة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، وشهدت مرحلته الأولى إعادة الأسرى الإسرائيليين المتبقين ورفاتهم، غير أن الاتفاق لم ينهِ جميع مظاهر التصعيد، فيما لم يكتمل الانسحاب الإسرائيلي، ولم تتمكن الإدارة الانتقالية من مباشرة عملها داخل القطاع.

وكانت الخطة المعتمدة قد نصت على تشكيل لجنة فلسطينية من التكنوقراط لتولي إدارة الخدمات المدنية خلال المرحلة الانتقالية، في خطوة يُفترض أن تمهد لاستعادة المؤسسات المدنية وتنظيم جهود التعافي وإعادة الإعمار.

وشُكّلت اللجنة الوطنية لإدارة غزة في كانون الثاني/يناير 2026، وعقدت اجتماعها الأول في القاهرة، لكنها لم تتمكن من دخول القطاع حتى أيلول/سبتمبر من العام نفسه، ما أبقى إدارة الخدمات المدنية داخل غزة أمام تحديات كبيرة، وأخّر تفعيل الترتيبات الانتقالية ونشر قوة الاستقرار الدولية على الأرض.

الخط الأصفر وقيود الوصول.. مساحات واسعة خارج متناول الفلسطينيين

تشكّل السيطرة على الأرض أحد أبرز العوامل التي تحدد فرص عودة النازحين، في ظل استمرار القيود على الوصول إلى مناطق واسعة من قطاع غزة.

وأفادت بيانات أممية بأن نطاق الانسحاب المعروف باسم «الخط الأصفر» يشمل نحو 53% من مساحة القطاع، فيما أشار تقرير أممي صدر في أيلول/سبتمبر 2026 إلى أن نحو ثلثي غزة لا يزال غير متاح للفلسطينيين أو خاضعاً لقيود شديدة على الوصول.

وتعكس هذه الأرقام حجم العوائق الجغرافية والأمنية التي تواجه السكان، لكنها لا تعني بالضرورة أن المساحات المذكورة تقع بالكامل تحت انتشار عسكري فعلي، إذ تختلف طبيعة القيود ومستويات الوصول من منطقة إلى أخرى.

ويعني استمرار هذه القيود أن عودة السكان لا تتوقف على توفر المأوى وحده، بل تتطلب أيضاً ضمان وصولهم الآمن إلى أراضيهم ومنازلهم، وتمكينهم من استعادة مصادر رزقهم والاستفادة من الخدمات الأساسية.

دمار واسع يجعل العودة مرتبطة بإعادة البناء

تكشف تقديرات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، حتى 16 حزيران/يونيو 2026، عن حجم غير مسبوق من الدمار الذي طال المباني والمنشآت في القطاع.

وبحسب التقييم، تضررت 201 ألف و290 منشأة، بما يعادل نحو 82% من إجمالي المنشآت في غزة، بينها 134 ألفاً و422 منشأة دُمرت بالكامل، و13 ألفاً و848 منشأة تعرضت لأضرار شديدة، و28 ألفاً و96 منشأة لأضرار متوسطة، فيما يُحتمل تضرر 24 ألفاً و924 منشأة أخرى.

كما قُدّر عدد الوحدات السكنية المتضررة بنحو 328 ألفاً و627 وحدة، في وقت يحتاج فيه مئات آلاف الفلسطينيين إلى مساكن آمنة أو إصلاحات جوهرية تسمح لهم بالعودة.

ولا تقتصر عملية إعادة تأهيل المناطق السكنية على ترميم المباني، بل تشمل إزالة الأنقاض والمخاطر، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وإعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية، وتأمين الطرق وإتاحة الوصول إلى الأحياء المتضررة.

وفي ظل هذا الحجم من الدمار، فإن العودة إلى المناطق الأصلية تبقى مرتبطة بمدى توافر المساكن الصالحة للسكن والخدمات الأساسية، وليس بمجرد السماح للسكان بالانتقال جغرافياً إلى مناطقهم.

71.4 مليار دولار لإعادة الإعمار.. والتعهدات لا تعني التمويل المتاح

قدّر التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى.

وفي المقابل، أشار تقرير لمجلس السلام إلى تعهدات مالية بقيمة 17 مليار دولار، مع تقديرات للاستثمارات المطلوبة تتجاوز 30 مليار دولار.

لكن الفجوة بين الاحتياجات والتعهدات تثير تساؤلات بشأن قدرة الخطط المعلنة على توفير التمويل اللازم بالسرعة المطلوبة، خصوصاً أن التعهدات المالية لا تعني بالضرورة تحويل الأموال أو صرفها، كما أن تقديرات الاستثمارات لا تمثل تمويلاً متاحاً بصورة فورية.

وتتطلب عملية التعافي المبكر تدفقاً منتظماً للموارد، وإدخال مواد البناء والمعدات، وإزالة الأنقاض، وإطلاق مشروعات إصلاح المساكن والبنية التحتية، وهي خطوات لا يمكن تنفيذها على نطاق واسع في ظل القيود على إدخال السلع والمعدات واستمرار صعوبات الوصول.

النزوح المتكرر والخدمات الأساسية تحت الضغط

يبلغ عدد سكان قطاع غزة نحو 2.1 مليون نسمة، فيما نزح نحو 1.9 مليون فلسطيني خلال الحرب، واضطرت أعداد كبيرة منهم إلى النزوح مرات عدة، بحثاً عن مناطق أكثر أمناً أو أماكن يمكن أن توفر الحد الأدنى من المأوى.

وتتفاقم معاناة النازحين مع تضرر مئات آلاف الوحدات السكنية، واستمرار النقص في المياه والكهرباء وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية، إلى جانب القيود التي تعيق دخول المساعدات والمواد اللازمة لتلبية الاحتياجات اليومية.

ويجعل هذا الواقع العودة إلى المناطق المدمرة خياراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى العائلات التي لا تجد منازل صالحة للسكن أو خدمات أساسية، حتى في حال تراجع العمليات العسكرية في محيطها.

كما أن تأخر إعادة الإعمار يهدد بإطالة أمد الاعتماد على المساعدات والمساكن المؤقتة، ويزيد المخاوف من ترسيخ واقع النزوح بدلاً من أن يكون حالة مؤقتة تنتهي باستعادة السكان لمنازلهم وأراضيهم.

مخططات التهجير والقانون الدولي

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن نقل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى دول أخرى رفضاً وتحذيرات دولية، وسط تأكيدات على حق الفلسطينيين في البقاء في أرضهم وتقرير مصيرهم.

وفي 8 شباط/فبراير 2025، رفض مجلس السلام العالمي تلك التصريحات، معتبراً أنها تتعارض مع القانون الدولي، وحذّر من التداعيات المترتبة على طروحات نقل السكان والسيطرة على القطاع.

ويجب التمييز بين مجلس السلام العالمي، وهو منظمة دولية تأسست عام 1950، ومجلس السلام الذي يرأسه ترامب، والمرتبط بترتيبات المرحلة الانتقالية في غزة وفق قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025.

ويحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري للسكان من الأراضي المحتلة، باستثناء حالات محددة وفق شروط قانونية صارمة. كما أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة تتعلق بالتزامات إسرائيل، بما في ذلك توفير الخدمات الأساسية والمساعدات اللازمة لمعالجة الظروف الإنسانية في قطاع غزة.

ولا تقتصر المخاوف من التهجير على التصريحات السياسية المباشرة، بل تمتد إلى الظروف التي قد تجعل بقاء السكان في مناطقهم أمراً متعذراً، نتيجة الدمار والقيود على الحركة وتعطّل الخدمات وتأخر إعادة الإعمار.

وفي الضفة الغربية، تواصل عمليات الهدم والمصادرة وعنف المستوطنين دفع فلسطينيين إلى النزوح عن مناطقهم، ما يعكس اتساع التحديات التي تواجه بقاء السكان في أراضيهم.

كيف يمكن قياس جدية الوعود الدولية؟

يتطلب تقييم تنفيذ الخطط المعلنة الانتقال من التصريحات السياسية إلى مؤشرات عملية قابلة للتحقق، وفي مقدمتها تحديد المساحات التي لا يزال الوصول إليها مقيداً، ومقارنة أعداد شاحنات المساعدات الداخلة يومياً بالكميات المتفق عليها، والإعلان عن موعد دخول لجنة التكنوقراط إلى القطاع ومباشرتها مهامها.

كما يشمل ذلك نشر بيانات واضحة عن الأموال التي صُرفت فعلياً من مخصصات إعادة الإعمار، وعدد المشروعات التي بدأ تنفيذها، وكميات مواد البناء التي دخلت القطاع، والجدول الزمني لاستكمال الانسحاب وإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية.

وتبقى عودة النازحين إلى منازلهم، واستعادة الخدمات ومصادر الرزق، وإتاحة الوصول إلى الأراضي والمناطق السكنية، المؤشرات الأكثر أهمية للحكم على مدى نجاح أي خطة دولية.

فبينما تتواصل التعهدات السياسية والمالية، يظل الاختبار الحقيقي في قدرة الفلسطينيين على العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، وإنهاء حالة النزوح، وبدء إعادة الإعمار فعلياً، بدلاً من تحول المأوى المؤقت والابتعاد عن المناطق الأصلية إلى واقع دائم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى