عندما تصبح الخبرة فخاً

عندما تصبح الخبرة فخاً

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم


ليست المشكلة في أن يمتلك الإنسان قناعات راسخة، فالقناعات تمنح صاحبها الثبات وتساعده على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه القناعات إلى يقين مطلق، وعندما تدفعنا الخبرة المتراكمة إلى الاعتقاد بأننا لم نعد بحاجة إلى التعلم أو مراجعة أفكارنا أو الاستماع إلى الآخرين.

في عالم الإدارة، لا يوجد ما هو أخطر من مدير يظن أنه رأى كل شيء وفهم كل شيء. فالمؤسسات لا تتعثر غالباً بسبب نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بقدر ما تتعثر بسبب جمود العقول التي تديرها، وإصرارها على النظر إلى الحاضر بعين الماضي.

لقد قدمت التجارب العالمية أمثلة كثيرة على ذلك. فشركة كوداك كانت لعقود طويلة الاسم الأبرز في عالم التصوير، بل إن مهندسيها كانوا من أوائل من ساهموا في تطوير تقنية التصوير الرقمي. ومع ذلك، لم تستطع الإدارة أن تتقبل فكرة أن العالم يتغير وأن نموذج أعمالها التقليدي لم يعد كافياً. تمسكت بما تعرفه، ورفضت الاعتراف بما يحدث حولها، فكان الثمن باهظاً. ولم تكن المشكلة في نقص المعرفة، بل في الإفراط في الثقة بها.

وفي المقابل، نجد نموذجاً مختلفاً في شركة مايكروسوفت خلال مرحلة قيادتها الحديثة. فقد تبنت ثقافة تقوم على التعلم المستمر والانفتاح على الأفكار الجديدة وتشجيع الحوار الداخلي. ولم يكن النجاح نتيجة امتلاك جميع الإجابات، بل نتيجة الجرأة على طرح الأسئلة الصحيحة والاستعداد الدائم لمراجعة المسلمات. وهكذا استعادت الشركة مكانتها بين أكثر المؤسسات تأثيراً وابتكاراً في العالم.

ولا يقتصر الأمر على الشركات الكبرى، بل يمتد إلى الإدارة العامة والمؤسسات الحكومية ومختلف مواقع المسؤولية. فالمدير الذي يحيط نفسه بأشخاص يوافقونه الرأي دائماً يفقد تدريجياً قدرته على رؤية الصورة كاملة، بينما يزداد المدير قوة عندما يستمع إلى الآراء المختلفة ويتعامل معها بوصفها فرصة للتعلم لا تهديداً لمكانته.

وفي حياتنا المهنية اليومية نرى هذه الظاهرة بأشكال متعددة؛ مدير يرفض اقتراحاً جديداً لأنه صدر عن موظف حديث العهد بالعمل، أو مسؤول يتمسك بإجراءات تجاوزها الزمن لمجرد أنه اعتاد عليها، أو مدير يعتبر كل نقد موجهاً إلى قراراته انتقاصاً من شخصه. وفي جميع هذه الحالات لا تكون المؤسسة هي المستفيد، بل تصبح الخاسر الأكبر، لأن التطور يبدأ دائماً من القدرة على الإصغاء والتجديد.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن أكثر المديرين نجاحاً ليسوا أولئك الذين يتحدثون كثيراً، بل الذين يسألون كثيراً. إنهم المديرون الذين لا يترددون في قول: “لا أعرف”، ولا يرون في ذلك ضعفاً أو انتقاصاً من مكانتهم. فهم يدركون أن المعرفة ليست حالة ثابتة، وإنما رحلة مستمرة من التعلم والمراجعة والتطوير.

وقد أثبتت العديد من الدراسات الإدارية الحديثة أن المؤسسات التي تشجع الحوار المفتوح وتوفر بيئة آمنة للتعبير عن الرأي والتعلم من الأخطاء، تحقق مستويات أعلى من الإبداع والابتكار والقدرة على التكيف مع المتغيرات. فالأفكار العظيمة لا تولد في البيئات المغلقة، وإنما تنمو في المؤسسات التي تسمح للعقول بأن تفكر وللآراء بأن تُسمع.

ومن هنا، فإن أهم نصيحة يمكن تقديمها لأي مدير جديد هي ألا يعتبر المنصب نهاية رحلة التعلم، بل بدايتها الحقيقية. فكلما ارتفع موقع الإنسان ازدادت حاجته إلى الاستماع، وكلما اتسعت مسؤولياته ازدادت حاجته إلى فهم وجهات النظر المختلفة. لذلك استمع أكثر مما تتحدث، واسأل قبل أن تحكم، وشاهد قبل أن تقرر، ولا تفترض أن نجاحات الأمس كافية لمواجهة تحديات الغد.

كما أن من أهم مهارات الإدارة القدرة على التمييز بين الثقة والتعالي، وبين الحزم والعناد، وبين الخبرة والانغلاق. فالثقة تمنح المدير القدرة على اتخاذ القرار، أما التعالي فيحرمه من رؤية البدائل. والحزم يحفظ هيبة المؤسسة، أما العناد فيجعلها أسيرة لرأي واحد. والخبرة تصبح قوة حقيقية عندما تتجدد باستمرار، لكنها قد تتحول إلى عبء عندما تتجمد وتمنع صاحبها من رؤية ما استجد حوله.

والحقيقة التي يدركها كبار المديرين بعد سنوات طويلة من العمل هي أن النجاح لا يأتي من امتلاك جميع الإجابات، بل من المحافظة على شغف البحث عنها. فأخطر لحظة في حياة أي مدير ليست عندما يجهل أمراً ما، وإنما عندما يعتقد أنه لم يعد بحاجة إلى التعلم.

فالإنسان يتقدم بقدر ما يحافظ على فضوله الفكري وقدرته على الدهشة. وما دام السؤال حياً في العقل، يبقى باب التطور مفتوحاً. أما عندما يتحول اليقين إلى سجن فكري مغلق، فإن التراجع يبدأ بصمت، حتى وإن بدا لصاحبه أنه ما يزال يسير إلى الأمام.

وفي النهاية، لا تُقاس قيمة المدير بعدد القرارات التي يصدرها، ولا بحجم الصلاحيات التي يمتلكها، ولا بعدد السنوات التي قضاها في موقعه، بل بقدرته على التعلم والنمو وإطلاق طاقات من حوله. فالمدير الحقيقي لا يصنع تابعين، بل يصنع جيلاً من الأشخاص القادرين على التفكير والمبادرة وتحمل المسؤولية.

وإذا كان هناك درس واحد تستحقه كل تجربة إدارية ناجحة، فهو أن المنصب لا يجعل الإنسان أكثر معرفة، بل يمنحه فرصة أكبر للتعلم. وأن أعظم المديرين ليسوا أولئك الذين أقنعوا الجميع بأنهم دائماً على صواب، بل أولئك الذين امتلكوا الشجاعة للاعتراف بأن الحقيقة قد تكون موزعة بين أكثر من رأي، وأن الحكمة قد تأتي أحياناً من موظف جديد، أو فكرة بسيطة، أو ملاحظة عابرة لم تكن في الحسبان.

لذلك، حافظ على فضولك مهما ارتفعت مكانتك، وعلى دهشتك مهما اتسعت خبرتك، وعلى تواضعك مهما كثرت إنجازاتك. فالمؤسسات لا تتقدم باليقين المغلق، بل بالعقول المنفتحة. وما من مدير خسر لأنه تعلم شيئاً جديداً، لكن كثيرين خسروا لأنهم اعتقدوا أنهم تعلموا كل شيء.

فبين خبرةٍ تتجدد فتقود إلى النجاح، وخبرةٍ تتجمد فتتحول إلى فخ، تُبنى المؤسسات، وتُصنع الإنجازات، ويُكتب الأثر الذي يبقى بعد أن تغادر المناصب أصحابها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى