
على حساب الضعيف
مراجعة السياسات العربية في مجملها تشير لظاهرة محددة بدأت منذ 1979، وهي ” كلما شعرت دولة عربية بموقف ضعف لأي سبب داخلي أو اقليمي او دولي، فإن أفضل طريقة لها للخروج من المأزق هو التقارب مع إسرائيل باعتبارها آلية لحشد المساندة الدولية لتلك الدولة العربية لمواجهة مآزقها ” بغض النظر عن نتائج ذلك على الطرف الفلسطيني، فالطرف الفلسطيني لا يستطيع محاسبة أحد بحكم مركزه في موازين القوى.
ويبدو أن آخر حلقات هذه الاستراتيجية العربية تتشكل في سيل التقارير المتلاحقة عن تقارب سعودي اسرائيلي بشكل خاص وخليجي بشكل عام ، وسبق ذلك تصريحات أعلنت في يناير 2016 على لسان وزير الخارجية السوداني ابراهيم غندور والتي قال فيها ” أن تطبيع العلاقات مع اسرائيل أمر يمكن النظر فيه” وبعدها بدأ البشير يتحرك بعيدا تحت عيون المحكمة الجنائية الدولية..ثم لحق ذلك اعلان عن فتح مكتب اسرائيلي في ابوظبي لحقه فريق رياضي اسرائيلي إلى قطر…..وطبعا كل ذلك مواصلة لحلقات لمعاهدات السلام العربية الاسرائيلية المعروفة منذ 1979.
وفي يونيو 2015 تم الكشف عن لقاء شخصية سعودية ( أنور عشقي وهو أكاديمي ومخابراتي ) وشخصية إسرائيلية ( دوري غولد سكرتير عام وزارة الخارجية الاسرائيلية ومستشار سابق لبعض رؤساء الوزراء الإسرائيليين)، ودعا انور عشقي في ذلك اللقاء إلى ” خطة تقوم على السلام مع اسرائيل ..و إقامة دولة كردية مستقلة في إيران والعراق وسوريا”، وكشف دوري غولد بعد ذلك في حديثه لمعهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي في 18 يناير عن ان لاسرائيل ” علاقات مع معظم الدول العربية”، ثم تبين طبقا لعدد من المراجع أنه خلال الفترة من 2014- يونيو 2015 كان هناك خمسة اجتماعات بين ” مفكرين “؟؟؟ من الطرفين.
وكانت مجلة ” The Atlantic” قد اشارت في 2009 إلى اتفاق مع السعودية للسماح لمرور الطائرات الاسرائيلية في الاجواء السعودية لضرب ايران في حالة اتخاذ اسرائيل مثل هذا القرار، كما اشارت المجلة لاحقا إلى عرض اسرائيل على السعودية استخدام قبتها الحديدية للمساعدة على التصدي لصواريخ الحوتيين وجيش علي عبدالله صالح في حرب اليمن الحالية.
من ناحية أخرى قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون بعد صفقة الجزيرتين (تيران وصنافير) بين السعودية ومصر ان حكومته تلقت تطمينات من أن السعودية لن تعترض على المرور الإسرائيلي من مضيق تيران مؤكدا التشاور بين الاطراف الثلاثة(مصر-السعودية-اسرائيل) ومعهم الولايات المتحدة.. كما ان موضوع الجسر الواصل بين السعودية ومصر كان ضمن نقاط البحث الاسرائيلي السعودي.
والحلقة الأخيرة في هذا الحراك الدبلوماسي الأمني السعودي الإسرائيلي هو ما تم الاعلان عنه ونقله على الشاشات التلفزيونية بين الأمير السعودي تركي الفيصل(المدير السابق للمخابرات السعودية وسفير سابق في واشنطن) وياكوف أميدرور(المستشار السابق لشؤون الامن لنتينياهو) في لقاء نظمه مركز دراسات معروف بصلته باللوبي اليهودي ( وهو معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى)..
وتشير الدراسات الأمريكية والاسرائيلية بشكل خاص والغربية بشكل عام أن هذا التقارب تصاعد منذ تنامي الاحساس بقرب الاتفاق النووي الغربي الإيراني وأصبح أكثر علانية بعد توقيع الاتفاق.
ونجح الأعلام السعودي في تهيئة الثقافة السائدة في المجتمع السعودي في هذا الاتجاه ، فصحيفة أتلانتيك واستنادا للأسوشيتدبرس اشارت طبقا لاستطلاعات الرأي العام السعودي إلى أن 53% من السعوديين يعتبرون أن أيران هي العدو الأول ، بينما يعتبر 22% من المجتمع السعودي بأن داعش هي العدو الرئيسي ، في حين اعتبر 18% فقط اسرائيل عدوهم الاول(7% لم يعط رايا).
من الواضح أن كل تقارب عربي إسرائيلي سيكون الطرف الفلسطيني هو الخاسر الأكبر، فإذا اضفنا لذلك أن سلطة التنسيق الأمني الفلسطيني لا ترى ضيرا في التقارب العربي الإسرائيلي(وهو ما يوفر الغطاء القانوني والسياسي للأطراف العربية)، فإن لعبة الشطرنج هذه ستستمر. (وبالمناسبة فإن مفتي السعودية كان قد أصدر في ديسمبر 2015 فتوى بتحريم لعبة الشطرنج )…….
هل بدأ التحلل العربي من القضية الفلسطينية يتسع تدريجيا، وهل نحن على اعتاب مرحلة جديدة؟ ربما نعم ..وربما تسير الأمور خلاف ذلك….وربما …

