شوارع عمان / سهى عبد الهادي

شوارع عمان

( أول شتوة في عمان ) كلمات رقيقة وأشعار مغناة تأخذك في رحلة حالمة مع رذاذ المطر المتساقط على الشوارع ، متمتعا بدفء المكان وصحبة كوب الشاي الساخن ، اجواء ساحرة توقظ مشاعر الحب والحنين في داخلك للأرض وللبشر ، تجعلك متفائلا تريد الخروج من بيتك ، لتعيش اللحظة بكل ما فيها من عواطف وشجون محلقة في الفضاء

لكنك ما زلت هناك مسترخيا بتكاسل على الكنبة ، تسرح بنظراتك عبر النافذة التي يزين زجاجها الندى وبعض أحرف اسمك التي رسمتها بأصابعك مستحضرا طفولتك البعيدة بشوق وفرح ، مطروبة أذنك المنصتة ببراءة الأحلام والآمال لصوت طرق حبات الماء المتتابعة على حافة النافذة …

تتخيل وسط البلد وبسطات الكادحين والبسطاء ، عربات الخضار والفواكه التي تلتمس مكانا تختبئ فيه من المطر ، الاسواق القديمة وجمال السير فيها ، ثم تسرح بعيدا لتغادر وسط البلد الى جبال عمان المحيطة بها ، تخطو وتقفز فوق الأدراج ربما لتصل جبل اللويبدة او جبل عمان ، لازلت تستنشق الهواء العليل بقلبك وروحك ، عمان وصورها النابضة في خيالك تفيض حبا وحنانا ، فتشتاق لعمان القديمة التي لا تكبر مثلما يكبر قاطنوها …

تكتفي بهذا القدر من الأجواء الدافئة وتستعد للخروج معبئا روحك بعبق أنفاس الحب والحنين للوطن الجميل …

ومع اول مطب تلتصق بمقعد سيارتك ، وتتضاءل ابتسامتك ، تصحو وبكل حزن لترى عمان الجميلة بقلبك بعيدا عن أجواء الرومانسية والخيال ، ومع بركة الماء التي تتوسط الشارع والتي لم يتم التحضير لتصريفها رغم الجاهزية القصوى التي اعلنوها في الصحف اليومية تختفي كلمات الأغنية الرقيقة لتحل مكانها تسآؤلات تحاول أن تجيب عليها دون فائدة …

يحاول المواطن الأردني جاهدا أن يبحث عن إجابات لأسئلته الخاصة بالشوارع سواء في الصيف او في الشتاء ، فوجوده في وسط الأزمة التي اصبحت تستهلك نصف نهاره وبعضا من ساعات المساء ، جعلت لديه الوقت الكافي لممارسة عمليات التفكير وطرح الأسئلة والبحث عن إجابات منطقية …

اسئلة مزدحمة كإزدحام الشوارع تدق في رأس المواطن اثناء وجوده على الطرقات ، ومع المحاولات الذكية والفاشلة في معظمها للتفلت من الأزمة الخانقة عبر العديد من الشوارع الفرعية التي يحاول من خلالها الإنتصار على الأزمة بإختصار الوقت وتقريب المسافة للمكان الذي يبتغي الوصول إليه ، تنمو بيئة محفزة لعميات الملاحظة والإستقراء والإستنباط وطرح الأسئلة لقتل الوقت والتسلية عن النفس وشحذ العقل …

تبدأ عمليات التفكير العميقة الأولى بحك الرأس والإسترسال بنظرات تأمل بعيدة المدى ، تتجاوز معها اكوام السيارات المتوقفة امامك لتحلق في افكارك وفضولك ، قبل أن تنتفض مرتعشا ، مذعورا من زامور السيارة التي خلفك ليحثك قائدها للتحرك مسافة شبر للأمام ، لتعاود الوقوف والتفكير مرة اخرى لإستكمال حل لغز أعمال الصيانة في شوارع عمان …

تنغمس في افكارك محللا :-

لماذا يتم حفر الشارع وتزفيته اكثر من مرة ؟ هل يتذكر المسؤول حاجات الشارع للحفر لأسباب مختلفة بطريقة متفرقة مثلا ، حيث لا تظهر هذه الحاجات الا بعد الإنتهاء من العمل على الشارع وتزفيته ليعاد الحفر المرة تلو الأخرى بطريقة متكررة ومضحكة حد الأسى لمستخدمي الشوارع ؟ !!

وماذا عن الشوارع التي يبدأ المقاول بالعمل عليها ثم يتركها لفترة زمنية لا بأس بها على أمل العودة اليها لاحقا ، دون أدنى مراعاة لتعطيل وتأخير الناس الناجم عن عدم الإستمرار بالعمل وإنهائه كما يجب من غير إنقطاع لا يوجد له أي مبرر إلا إنشغال المقاول بورش أخرى في ذات الوقت ؟ !!

وماذا عن لغز هبوط الشارع بعد الإنتهاء من العمل عليه وتزفيته بمدة قصيرة ، هل لهذا علاقة بجودة المواد والسخاء بها ام له علاقة ببراعة ومهارة الأيدي العاملة عليها ، أم هي خليط عجيب من عدمهما ؟!!

وماذا عن توقيت العمل بالشارع ؟ ولماذا يختار المهندس او المقاول العمل في الشارع في عز ساعات الذروة كوقت الظهيرة ، وهل لهذا علاقة بساعات الدوام الحكومي البيروقراطي الذي ينتهي بساعة محددة ومقدسة ؟ !!

يكتفي المواطن الأردني الآن بهذا الكم من التسآؤلات ومحاولات حل الألغاز المنتشرة في شوارع عمان ، فصوت الزوامير من خلفه أصبح أعلى والأيدي تلوح معترضة …
تمتد يده الى المذياع باحثا بين ذبذباته ، لعله يعثر على تردد ما يبث اغنية تثير الشجن والإحساس ليعاود معها الحلم والإسترخاء وليستعيد مشاعر الحب للوطن الجميل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى