
#سواليف
كشفت شهادات عشرة جنود إسرائيليين، وردت في تحقيق استقصائي لمجلة «دير شبيغل» الألمانية، عن ممارسات ميدانية خلال الحرب على قطاع غزة، تضمنت إطلاق النار على فلسطينيين دون التحقق من تشكيلهم تهديداً، وتوسيع هامش الخسائر المدنية المقبولة في الغارات، وتصنيف ضحايا بعد قتلهم على أنهم مقاتلون.
واستند التحقيق، المنشور في 11 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، إلى إفادات جنود حاليين وسابقين جُمعت عبر منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، التي توثق شهادات جنود بشأن ممارسات الجيش، وسلط الضوء على ما وصفه أصحاب الإفادات بتجاوزات في قواعد الاشتباك وآليات تحديد الأهداف العسكرية.
«أطلق النار على كل من تراه»
ونقل التحقيق عن جندي احتياط عُرف باسم «ديفيد» قوله إن الجنود تلقوا أوامر بتدمير المباني المرتفعة في خان يونس جنوبي القطاع، وإطلاق النار على كل من يرصدونه.
كما تحدث الجندي الإسرائيلي يوفال غرين، الذي كشف عن هويته، عن زيارة الجندي السابق عزرا ياخين، البالغ من العمر 90 عاماً، إلى الجنود، مشيراً إلى أنه حثهم على التخلي عن الرحمة وقتل الفلسطينيين في سن القتال، حتى في حال وجود أطفال برفقتهم.
وتثير هذه الإفادات تساؤلات بشأن طبيعة التعليمات الميدانية ومدى الالتزام بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي الإنساني.
رفع عدد الضحايا المدنيين المسموح به
وفي واحدة من أبرز الإفادات، قال مشغّل طائرات مسيّرة عُرف باسم «يائير» إن عدد الضحايا المدنيين الذين سُمح بسقوطهم في بعض العمليات ارتفع من خمسة إلى 20 مدنياً لكل هدف، مضيفاً أن الموافقات على بعض الضربات كانت تصدر خلال ثوانٍ.
كما نقل التحقيق عن ضابط استخبارات يُدعى «نوعام» قوله إن استهداف أحد القياديين في مخيم جباليا شمالي القطاع حظي بالموافقة رغم توقع سقوط نحو 300 مدني.
وأشار التحقيق إلى استخدام مصطلح «نازا» في تقدير الأضرار الجانبية والخسائر المدنية المحتملة، لافتاً إلى أن التقديرات في إحدى الضربات وصلت إلى احتمال سقوط 500 مدني.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على آليات تقدير الخسائر المدنية قبل تنفيذ الهجمات، ومدى مراعاة مبدأ التناسب الذي يحظر شن هجمات يُتوقع أن تسبب أضراراً مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
مجمع ناصر الطبي.. ضحايا صُنّفوا مقاتلين بعد مقتلهم
وتطرق التحقيق إلى القصف المزدوج الذي استهدف مجمع ناصر الطبي في خان يونس في 25 آب/أغسطس 2025، وأسفر، وفق الأرقام الواردة في المادة، عن استشهاد 22 شخصاً، بينهم صحفيون ومسعفون.
ونقل عن جندي عُرف باسم «تال» قوله إن الضحايا صُنّفوا لاحقاً على أنهم مقاتلون، في خطوة اعتبر أنها أسهمت في تبرير الهجوم.
وتثير هذه الإفادة تساؤلات بشأن كيفية تحديد هوية الضحايا بعد الهجمات، والمعايير التي تُستخدم لتصنيف القتلى، ومدى خضوع قرارات الاستهداف والتقييم اللاحق للمراجعة والتحقيق.
شهادات تضع قواعد الاشتباك تحت المجهر
وتكتسب إفادات الجنود أهمية لأنها تتناول تفاصيل تتعلق بالأوامر الميدانية، وآليات الموافقة على الغارات، وتقدير الخسائر المدنية، والتعامل مع الأشخاص الموجودين في مناطق العمليات.
ومع ذلك، فإن الشهادات المنقولة لا تمثل وحدها أحكاماً قضائية نهائية، بل تشكل إفادات تستدعي التحقق والتحقيق المستقل، خصوصاً في الوقائع التي تتعلق باحتمال استهداف المدنيين أو مخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني.
ضغوط على المحكمة الجنائية الدولية
وتأتي هذه الإفادات في وقت تتواصل فيه المواجهة السياسية بشأن المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب على غزة.
وأشار التقرير إلى استمرار الإجراءات الأمريكية التي تستهدف المحكمة ومسؤولين فيها، بما في ذلك عقوبات أُعلن عنها خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
وتعيد الشهادات تسليط الضوء على أهمية التحقيق في الوقائع الميدانية، وتوثيق الأوامر العسكرية والقرارات المتعلقة باستهداف المواقع والأشخاص، في ظل المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المحتملة.
وتأتي هذه التطورات بينما تشير الأرقام الواردة في المادة إلى تجاوز حصيلة الشهداء في قطاع غزة 74 ألفاً، والإصابات 175 ألفاً، منذ بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب الدمار الواسع الذي طال المنازل والمنشآت الصحية والبنية التحتية المدنية.
وتبقى المساءلة عن الانتهاكات المحتملة مرتبطة بجمع الأدلة والتحقيق في الوقائع وتحديد المسؤوليات الفردية، في وقت تواصل فيه شهادات الجنود كشف تفاصيل جديدة عن طبيعة العمليات العسكرية وآليات اتخاذ القرار خلالها.

