#سيرة_ديك_عظيم / شبلي العجارمة

#سيرة_ديك_عظيم

{من الفقاسة إلی الطّاسة﴾

کنهج الفقراء في وطني وسبيل عيشهم الذين لا يأکلون الدجاج واللحم أو يِّ نوعٍ من الزفر إلا يوم الجمعة أو في المناسبات مثل الزواج أو المآتم حصرياً للأغنياء،دخلت ذات جمعةٍ بعد الصلاة لمحل بيع الدواجن الحية_النتافة أو المعاطة_، کان الجميع تحت رحمة سکين المعلم عبده سواءً الزباٸن أو الدجاج ،وقع اختياري علی ديكٍ أبيض ذو عرفٍ أحمر وجسدٍ مکتنز وحوصلةٍ منتفخة وريشٍ منفوش، وما إن مسکته من جناحيه بيدي حتی همس لي قاٸلاً;”هلاّ أسديت لي معروفاً يا صديقي الکاتب؟“، حقيقةً ارتعشت وکأنني أقرأ في کليلةٍ ودمنة وکيف لهذا الديك أنّ يتکلم أو حتی ينطق؟،ثم قال لي أرجوك وقتك ووقت بطون عاٸلتك ووقت المعلم عبده لن تخدمنا ولن تمهلني أکثر مما مضی، فقلت له تفضل،فقال لي لتکتب سيرتي الذاتية لکل ديَّکةِ الدجاج في الأرض کخدمة تسديها لي.
قال لي أکتب;
کنت حبيساً لغرفةٍ من جدران الکلس لا تتجاوز الإنشين مساحةً وتفتقر لأي فضاءٍ رحب أو نافذة ولو بمساحة خُرم إبرة الخياطة أو شرفةٍ أطل منها علی فصول العمر ولو بحجم بٶبوء العين، وبعد حزمةٍ من الأيام خرجت من خاصرة الکلس لقلبٍ حاضنةٍ من الستانلس ستيل أنا وأقراني من الصيصان التي تحمل فروة الزغب الأصفر کما تقولون أنتم عنه ريش الحرام لا أم تحضنني بريشها الوفير لتغطي جسدي الرقيق من البرد أو الحر،وبلا سمفونية قرقها المتواصل وبلا أن يعلمني منقارها کيف ألتقط حبات العلف، وکأنني هبطت من اللاشيء، وبعد يومين أو أکثر تم نقلي إلی حضيرٍ أکبر _البرکس_ضمن سياجٍ من قواطع الخشب کل يومٍ يتم إفساح المسافة متراً علی الأقل نتيجة عليقة العلف المحضرة بعناية بحيث تجعل جسدي يکبر کل يوم وعقلي لا يکبر فيه سوی محيط وشکل الجمجمة والرأس وهذا العُرف،حتی العمال کانوا يتنقلون بعناية فاٸقة خشية دهسنا بأحذيتهم الطويلة وجزماتهم العملاقة وأجسادهم المعقمة،کان الطبيب يزورنا کل يوم وربما کل ساعة لإعطاٸنا جميع مطاعيم الوقاية من الأمراض وحتی من أشعة الشمس والهواء ،حتی الطبيب کان معقماً لأبعد الحدود من أخمص قدميه لغرة رأسه،حتی ظننت أننا مخلوقات سيتم تخليدها للأبد بلا مرض ولا موت، کانت الأشياء تحدث للجميع ومع الجميع دون تمييز لا لون الريش أو الحجم أو الجنس، وبعد خمسين إلی ستين يوم تم ترحيلنا قبل الفجر بأقفاص بلاستيکية دون أن يودع بعضنا بعضاًً لأننا لا نعرفُ إلی أين ولما هذه الرحلة، وفي الصباح استيقضنا علی قضبان الأقفاص وعليقة من العلف شديد الملوحة،فکلما أخذنا منقاراً من العلف شربنا أضعافه من الماء.
کنت أستطلع الجو والبيت الجديد ،وحين رأيت المعلم عبده بدأ بشحذ سکينه منذ الصباح الباکر لم أعرف ما هي السکين ولماذا يتم شحذها في دکان المعلم عبده الذي يغص بالفوضی والغبار وبداٸية المکان،وحين دخل إول زبون وطلب خمسة دجاجات وتم انتقاٸهن بعناية مقرفة من الزبون ، بينما کان الدجاج منشغلاً ومنهمکاً بالأکل والشرب والنوم،کان فضولي وحکمتي ورجاٸي وخوفي حوافز بل رغبات بالمعرفة عن مصير الخمسة دجاجات والذي حتماً سيکون بعدها مصير الجميع.
حتی لا أطيل عليك الحکاية يا صديقي ،الآن عرفت کل ذلك النعيم والترف ،فکما أنني نادمُُ علی ولادتي ديك دجاج لاحم کذلك ندمت لماذا لم آخذ القطيع بحکمتي من قبل في ريعان الشباب حين کان عمال المزرعة ”سيدهم وبسطويسي وجلال “ يتناسون بعض الفجوات في الشبابيك والأبواب لماذا لم أهرب بهم إلی عالمٍ ربما ستکون احتمالات الحياة والعيش أکثر من الظنون بالموت والفناء،کذلك أندم لما لم أکن ديکاً للدجاج البياض لأعيش أکثر ،فهذه الفحولة والأنوثة مصطلحات لا تعني الکثير في عالم الدجاج اللاحم، أو لما لم أکن دجاجةً قروية للفلاحين لا تحظی بأي فخامةٍ أو عنايةٍ تبعثها للموت والفناء.
لقد لقحوني کل أمصال الأمراض في الأرض لکنهم لم يعطوني جرعةً واحدة أو أدنی فکرةً عن سکين العم ترامب أو سبيلاً للنجاة منها ،آآسف لا أعرف لماذا قلتَ ترامب کنت أقصد سکين المعلم عبده ،لکن المصاٸر علی أيدي اللٸام واحدة،هنا انتهی حديث الديك.
کان ديکاً تبدوُ عليه الحکمة والوقار والهيبة من عُرف رأسه الأحمر وريشه المنفوش ،وبعد أنّ غادر ميزان العم ترامب أقصد المعلم عبده ،رفس برجليه المقيدتين بکف عبده وجناحيه الممنوعين من الحراك ،شوطين بسکين عبده علی نحره الرقيق حتی توقف الرفس والمعاعاة والفعفطات التي لم تکن تجدٍ أمام أدوات الموت من سکين عبده وحتی قُمع الموت والماء الحار المغلي وخشبة المسلخ وخطافات الحديد حتی ثلاثة الأکياس السوداء.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى