
هــــــــوســــــــــــة
ابراهيم عزام
أرضٌ مضرجةٌ بالدماء، وأصواتُ بكاءٍ وعويل تملأ الأفق ، شابٌ بعمر الزهور يرتدي بزةً بيضاءَ قد تشربت حُمرةَ الدم الذي كان يجري في عروقه. الساحة ُ قد تحولت الى لوحة فنانٍ تشكيلي مليئةٍ بالألوان القاتمةِ والمعتمةِ التي تثير الكآبة َ والحزن َ في أعماقِ النفس.
بلحظةٍ واحدةٍ تحولت ساحة ُ الفرح ِ الى ساحةِ تَرَح ، بفعل رصاصةٍ طائشةٍ اخترقت كبد الشاب و العريسِ المنتظر. كانت رصاصة ً رعناء َ لم ترحم ولم تعرف أن طريقها ومستقرها سيكون في كبدِ فَلَذَةِ كبدِ أبي خالد.
أبوخالد الذي دفع “الحيلة َ والفتيلة َ” والغالي والنفيس من أجل هذا اليوم ، وأمُ خالد التي بدأت تُعِدُ العُدة َ لمثل هذا اليوم من وقتٍ طويل، فمنذ عامين وهي ” تُنَجِد اللحفة” و تَخيط ُ “المخدات والمسابل” ، كي تسعَدَ برؤيةِ ابنِها في عشهِ الزوجي.
لقد انتهى الفرح وبدأت مراسم التغسيل والتكفين والعزاء …..
كان هذا مشهداً من “تراجيديا” يعيشها الأردنيون كل يوم، فمنهم من اهتدى وابتعد عن عادة اطلاق النار في الأفراح، ومنهم من بقي حبيس ضلاله وجهله يُشهِرُ سلاحَهُ على تسعةِ ملايينَ أردنياً، زاعماً أن ذلك من عادات المجتمع التي توارثها عن آباءه وأجداده. بل وان سألتَهُ عن سبب اطلاقِهِ للنار، وجدتَهُ ممتعظاً وقد ضاق ذرعاً بسؤالِك. وان كانت هنالك مودةً بينك وبينه، أجابك بكل سماجة: “ياخي هوسة … والله هوسة”.
دعونا نطلق لقب “المهووس” على مطلق العيارات النارية.
أخي المهووس،
لا ريبَ أن المجتمع الأردني بكافة أطيافه ومكوناته، يعد من المجتمات النادر وجودها وذلك لأمرين: أنهم نسيجٌ اجتماعيٌ متماسكٌ ومترابط ٌ لا ينخره “سوس” الفرقة والقطيعة. والأمر الآخر: أنه مجتمعٌ أصيلٌ يحنُ الى ماضيه، ويعشقُ تُراثَهُ وعاداته وتقاليدَه، حالُهُ كحالِ أيِ حضارةٍ تعتزُ بماضيها.
على مدى السنين والأعوامِ الماضيةِ ، توارثنا عاداتٍ وتقاليدَ من آباءِنا وأجدادِنا، منها (بل وجلُها ) ما كان من العاداتِ الحميدةِ التي تزيد اواصرَ المحبةِ في المجتمع ومنها (وأعني القليل) ما كان مبنياً على خطأ وعدم دراية. ومن هذه العادات والظواهر السلبية: عادة “الهوسة” أو اطلاق العيارات النارية في الأفراح.
أخي المهووس،
يجب أن تأخذَ بعينِ الاعتبارِ حاجتين:
الحاجة الأولى: أن الزمان قد تغير، وأن وسائل الاتصال والتواصل قد تغيرت تبعاً لذلك. فقديماً كان المسوغ لاطلاق العيارات النارية هو اشهار الفرح وجلب انتباه ساكني المنطقة لعدم وجود وسائل اتصال. وكما ترى أخي العزيز فان الحال قد تغير الآن (ولله الحمد) ، فوسائل التواصل والاتصال كثيرةٌ جداً ولم تُبقِ ولم تَذَر، وحجتك بأن اطلاقك للعيارات النارية من أجل اعلان الفرح قد باتت باهتة ومَعيبة.
الحاجة الثانية: أن الكثافة السكانية اليوم مختلفة ٌ تماماً عما كانت عليه في الماضي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت أكبر القرى لا تتجاوز الثلاثين بيتاً وكانت المساحات الخالية من الزخم السكاني واسعة ً وكبيرة ً جدا ً. أي بمعنى آخر، أَن َ فرصة َ سقوطِ الرصاصة على راسِ أحدِ ساكني المنطقة ِ كانت ضئيلة ً جدا ً مقارنة ً بحال الزخم السكاني هذه الأيام.
هل تعلم “أخي المهووس” أنك اذا أطلقت رصاصة ً اليوم فان فرصة َ سقوطها على رأسِ انسان ( ربما يكون أبا ً أو أما ً أو أخا ً أو ابنا ً……) – مرتفعة ً جدا ً بل وأصبحت أكيدة ً ، وبهذه الحالة أنت أصبحت قاتلاً ولكن بدون أجر.
معاناتُك “أخي المهووس” تذكرني بقصةٍ قصيرةٍ اسمها (فنان الجوع) للكاتب الألماني (فرانز كافكا)، حيث تدور أحداث القصة عن شخص أحب أن يلفت أنظار العالم اليه وأن يكون قبلة ً للمشاهدين والمتفرجين، فوضع نفسه في داخل قفص ِ سيرك وبدأ الصيام لعشرات الأيام ، لا يأكلُ ولا يشرب ُ أي شيءٍ حتى برزت عظامه من جسده وأصبح جسمه نحيلاً خائرَ القوى. في البدايةِ استمتع الناس بهذه الفكرة وأصبحوا يراقبون هذا الشخص عن كثب وباهتمام زائد ، متعجبين من قدرته على الصيام لعشرات الأيام، بل وكانوا يستفزونه بالقاء الطعام عليه كي يختبروا صبره وتحمله ولكنه بقي صامدا مكابراً. ولكن مع مرور الوقت أصبح الامر مملا ً بالنسبة للمتفرجين وزائري السيرك ولم يعد يعني لهم شيئا ً، فبدؤوا يبحثون عن شيءٍ جديدٍ وأكثرُ امتاعا ً، وتركوه يتضور جوعا ً ويتلوى في قفصه حتى مات ميتة ً كريهة ً.
هذا هو حالك ” أخي المهووس ” ، فأنت تشعر بـ ” اللاوجودية” وتريد اجتذاب أنظار البشر اليك، لأنك لا تملك تقديرا ً لذاتك ولا تشعر بوجودك، لذا تستخدم هذا الأسلوب الاستعراضي لتعويضِ النقص ِ الذي تشعرُ بهِ.
أخي المهووس،
يجب أن تكون تصرفاتك مسؤولة ً ونابعة ً من انسانيتك ، فأنت بجريمتك هذه قد خرقت العقد الاجتماعي بين أبناء المجتمع الأردني الواحد وقد تنصلت َ من انسانيتك وغلبتك الأنانية ، وأخذتك أفعالك الى ما لا يحمد عقباه دنيا و آخرة.
بقلمي
ابراهيم عزام
azzam1985@gmail.com

