دراسة علمية تكشف سبب تلاشي جثامين شهداء غزة

#سواليف

كشفت دراسة علمية حديثة أن مركبات غير عضوية وبقايا بودرة الألومنيوم الناعمة الموجودة في خليط (Tritonal)، إلى جانب نسب مرتفعة من الفسفور غير العضوي والنيتروجين المتفحم، والمركبات الثانوية الناتجة عن احتراق المعادن بدرجات حرارة تتجاوز 2500 درجة مئوية، تقف وراء ما يُعرف بظاهرة “تلاشي جثامين الشهداء” خلال حرب الإبادة على غزة.

وعرّفت الدراسة، التي أصدرها “المركز المدني لإدارة المخاطر المجتمعية في فلسطين”، مصطلح “تبخر الجثامين” بأنه “التحليل الفيزيائي والجنائي لحالات التذرير الشامل والتلاشي الحاد للجثامين في مواقع القصف الجوي المكثف على قطاع غزة”.

واستندت الدراسة إلى خلاصة خبرات علمية وميدانية لفريق بحثي متعدد التخصصات، ضم خبراء في الفيزياء الحيوية والكيمياء الحيوية والأنثروبولوجيا الجنائية وطب الحروب الشرعي، إلى جانب مختصين في هندسة المتفجرات ومخلفات الذخائر غير المنفجرة، وخبراء في الإنقاذ والسلامة العامة.

وأوضحت أن إعداد الدراسة وتطوير نماذجها الرياضية استغرق أكثر من عام ونصف من البحث المتواصل، بالتزامن مع مشاركة ميدانية مباشرة لعدد من أعضاء الفريق في عمليات البحث والإنقاذ وانتشال الضحايا مع طواقم الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة.

وأضافت أن الدراسة خضعت للمراجعة والمناقشة مع خبراء من منظمات دولية عاملة في القطاع، ووفود متخصصة في تقييم آثار الأسلحة والذخائر، بهدف ضمان أعلى مستويات الدقة العلمية.

وقدمت الدراسة مقاربة علمية فيزيائية وبيولوجية لتفسير الظاهرة التي شاع تسميتها إعلامياً وشعبياً بـ”تبخر الجثامين” في قطاع غزة، مستندة إلى المنهج الوصفي التحليلي والنمذجة الرياضية لتقدير مستويات الضغط والحرارة الناتجة عن القنابل الجوية من عائلة (Mark 80)، وخاصة القنبلة (MK84) بنسختيها التقليدية أو المعدلة بحشوات فراغية وحرارية مثل (757-AFX).

وأشارت الدراسة إلى “المنطقية العلمية لتلاشي الكتلة الحيوية للجثمان في منطقة الصفر”، موضحة أن الأجساد لا تتحول إلى غاز بالمعنى الفيزيائي التقليدي للتبخر، وإنما تتعرض لعملية “تذرير شامل” بفعل الموجة الصدمية العنيفة والتحلل الحراري الفائق الناتج عن درجات حرارة تتجاوز 3000 درجة مئوية.

وقالت الدراسة إنّ العمليات العسكرية في قطاع غزة شهدت “استخداماً مكثفاً وغير مسبوق للذخائر الجوية الثقيلة في بيئات حضرية مكتظة بالسكان”، ما أدى إلى نمط غير اعتيادي من الإصابات والدمار، معتبرة أن تدمير البيئة الحضرية أصبح أحد أهداف القتال لدى الاحتلال الإسرائيلي، في مخالفة للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية.

ورصدت تقارير الدفاع المدني الفلسطيني تلاشي 2842 جثمان شهيد، في وقت تعرض فيه قطاع غزة لقصف مكثف بذخائر متعددة الأنواع والأحجام، بقدرات تدميرية قُدرت بأنها تفوق ما أُلقي على هيروشيما وناجازاكي، بحسب ما أوردته الدراسة استناداً إلى اعترافات الاحتلال وتقارير دولية.

وأضافت الدراسة أن الحرب أسفرت عن استشهاد أكثر من 72,744 فلسطينياً وإصابة 172,588 آخرين، معتبرة أن حجم الخسائر يدل على أن توجيه الذخائر تم “بقصد القتل المحقق”.

وأوضحت أن مصطلح “تبخر الجثث” شاع خلال العامين الماضيين مع تكرار حالات اختفاء جثامين مستهدفين بعد القصف، رغم التأكد من وجودهم قبل الاستهداف، في ظل غياب مختبرات فحص الحمض النووي في قطاع غزة، ما جعل التحقق من هذه الحالات محصوراً في التحقيقات الميدانية وتحليل آثار القصف.

وأكدت الدراسة أنها سعت إلى اختبار “منطقية التبخر” علمياً عبر تحليل تأثير الذخائر الأكثر استخداماً على جسم إنسان يزن 80 كيلوغراماً داخل دائرة قطرها متر واحد، من خلال النمذجة الرياضية والحسابات الثرموديناميكية.

كما استندت إلى بيانات فيزيائية ومواصفات عسكرية وتقارير ميدانية صادرة عن شرطة هندسة المتفجرات والدفاع المدني، إضافة إلى مشاركة بعض أعضاء الفريق البحثي في عمليات الاستجابة الإنسانية، ومنها عمليات انتشال الضحايا من برج التاج بمدينة غزة وبرج المهندسين في المنطقة الوسطى، باعتبارهما من أبرز مواقع التلاشي الجماعي للجثامين.

وأوصت الدراسة باعتماد الأدلة المادية البديلة في ظل غياب الجثامين والأشلاء، عبر فحص التربة والركام في مناطق القصف لرصد بقايا بودرة الألومنيوم غير المحترقة والنسب المرتفعة من الفسفور غير العضوي والنيتروجين المتفحم.

كما طالبت بتوثيق “الرماد العضوي” من خلال جمع عينات من غبار الإسمنت والركام المختلط بالرماد الكربوني الحيوي في مواقع القصف، وحفظها كأدلة جنائية.

وشددت على ضرورة صياغة بروتوكول قانوني وإداري وصحي بديل لإثبات الوفاة وإصدار شهادات الوفاة للضحايا الذين تلاشت جثامينهم، دون اشتراط وجود جثمان أو أشلاء لإجراء فحص الحمض النووي.

وخلصت الدراسة إلى أن اختفاء الجثمان “ليس تبخراً كيميائياً بالمعنى التقليدي”، بل هو تدمير هيكلي شامل تتحول خلاله المادة الحيوية إلى جزيئات مجهرية بفعل الموجة الصدمية، ثم تتناثر بفعل الحرارة والرياح الانفجارية لتختلط بركام المباني، ما يجعل استعادتها أو التعرف عليها بالوسائل التقليدية أمراً شبه مستحيل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى