
#سواليف
تتواصل ردود الفعل في الكويت على تصريحات سفير الاحتلال لدى الإمارات يوسي شيلي، التي ألمح فيها إلى إمكانية انضمام الكويت إلى “اتفاقات أبراهام” خلال أربعة إلى ستة أشهر، في حديث لم يتضمن إعلانًا عن مفاوضات أو اتفاق كويتي بهذا الشأن.
وأعادت التصريحات إلى الواجهة النقاش حول الموقف الكويتي من التطبيع، في ظل تأكيدات رسمية متكررة خلال الأشهر الماضية تمسك الكويت بقيام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفضها الإجراءات التي تكرس الاحتلال أو تغيّر الوضع القانوني والتاريخي للقدس.
وفي هذا السياق، رأى دبلوماسيون وباحثون وإعلاميون كويتيون أن تصريح السفير الإسرائيلي ينبغي قراءته في إطار ما صدر عنه، دون اعتباره إعلانًا عن موقف كويتي، مع استحضار ثوابت السياسة الكويتية تجاه القضية الفلسطينية.
التصريح لا يعني وجود قرار كويتي
وقال الدبلوماسي الكويتي السابق جمال النصافي إن تصريح السفير الإسرائيلي لدى الإمارات يوسي شيلي أثار جدلًا واسعًا، بعدما قال إن دولة عربية جديدة قد تنضم إلى “اتفاقات أبراهام” خلال أربعة إلى ستة أشهر، ملمحًا إلى أن الكويت قد تكون الدولة التالية.
وتساءل النصافي في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”: هل يمثل ذلك مجرد تصريح دبلوماسي، أم أنه يعكس وجود مساعٍ واتصالات أوسع في المنطقة؟
وأضاف أن من الخطأ التعامل مع مثل هذه التصريحات باستخفاف، كما أنه من الخطأ اعتبارها دليلًا على وجود قرار كويتي اتخذ بالفعل.
وأشار إلى أن الموقف الرسمي الكويتي المعلن تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير، مؤكدًا أن الكويت طالما أعلنت تمسكها بحل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب التمسك بمبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية.
وقال النصافي إن قراءة المسألة تستدعي الابتعاد عن التهويل، وكذلك عن التعامل معها بسذاجة، مشيرًا إلى أن “اتفاقات أبراهام” بدأت عام 2020 بإقامة علاقات بين الاحتلال والإمارات والبحرين، قبل أن يتسع مسارها ليشمل دولًا أخرى.
وأضاف أن السؤال الأهم، في رأيه، ليس عدد الدول التي ستنضم إلى الاتفاقات، وإنما ما الذي حققه التطبيع للقضية الفلسطينية ولأمن المنطقة واستقرارها.
وأوضح أن السلام لا يقاس بعدد السفارات أو حجم التبادل التجاري أو عدد الرحلات الجوية، وإنما بقدرته على معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والتهجير، وحماية المدنيين، وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وصولًا إلى تسوية عادلة ومستدامة تستند إلى القانون الدولي.
واستحضر النصافي اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981، مشيرًا إلى أن موقفه من الاحتلال ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كان من بين العوامل السياسية والأيديولوجية التي ارتبطت بالجريمة، بحسب ما هو معروف تاريخيًا، معتبرًا أن الحادثة تذكر بأن التحولات السياسية الكبرى في القضايا شديدة الحساسية قد تكون لها انعكاسات داخلية عميقة.
وفيما يتعلق بمنطقة الخليج، شدد على أهمية ألا تتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية على حساب أمن دولها واستقرارها.
وطرح النصافي تساؤلًا حول إمكانية بناء شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا من خلال توسيع علاقات التطبيع، بينما يبقى أصل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل.
وقال إن المشكلة، من وجهة نظره، ليست في إقامة العلاقات بين الدول بحد ذاتها، وإنما في الاعتقاد بأن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية تستطيع وحدها تجاوز قضية سياسية وتاريخية بهذا الحجم.
وأضاف أن بناء شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا لا يعتمد على التحالفات والسلاح والعلاقات الدولية وحدها، بل يرتبط أيضًا بتماسك المجتمعات، وثقة الشعوب، وقوة المؤسسات، ووجود قرارات وطنية تحظى بقدر من القبول المجتمعي.
وأوضح أن أي خيار استراتيجي كبير، كإقامة علاقات مع الاحتلال، لا يستمد قوته من العلاقات الرسمية وحدها، بل يحتاج إلى غطاء شعبي ومجتمعي، محذرًا من أن غياب ذلك قد يؤدي إلى تداعيات سياسية واجتماعية.
وأشار النصافي إلى أن الكويت جددت خلال أغسطس 2026 موقفها الداعم للحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما أكدت رفضها سياسات الاحتلال والاستيطان والإجراءات الرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس.
وأكد أن تصريح سفير إسرائيلي لا يصنع قرارًا كويتيًا، قائلًا إن القرار تصنعه الكويت ومؤسساتها ومصالحها وثوابتها الوطنية والقومية وحساباتها الاستراتيجية.
وختم بالقول إن أي مسار للسلام والأمن في المنطقة سيظل مرتبطًا بمعالجة أصل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، معتبرًا أن زيادة السفارات أو اتساع الاتفاقيات لا تكفي، إذا بقيت جذور الصراع قائمة.
الموقف الرسمي الكويتي ثابت
من جانبه، قال المؤسس والرئيس التنفيذي لمركز “ريكونسنس” للبحوث والدراسات (مستقل مقره الكويت)، عبدالعزيز العنجري، إن الموقف الكويتي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية “ثابت ومعلن”، مشيرًا إلى أن وزارة الخارجية جددته في بياناتها الأخيرة.
وأوضح في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، أن الموقف الرسمي يؤكد دعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ويتوافق ذلك مع بيانات رسمية صدرت عن وزارة الخارجية الكويتية خلال أغسطس 2026، أكدت فيها دعمها لقيام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفضها الإجراءات الإسرائيلية التي تقوض فرص تحقيق السلام أو تغيّر الوضع القانوني والتاريخي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
التصريح الإسرائيلي لا يمثل موقف الكويت
وقال الإعلامي محمد المطيري إن تصريحات السفير الإسرائيلي لدى الإمارات يوسي شيلي بشأن احتمال انضمام دولة جديدة إلى “اتفاقات أبراهام” أثارت تساؤلات حول إمكانية أن تكون الكويت الدولة التالية.
وأوضح المطيري في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، أن شيلي صرح في 15 سبتمبر الجاري بأنه يتوقع انضمام دولة جديدة إلى «اتفاقات أبراهام» خلال الفترة المقبلة، وعندما سُئل عن الدولة المحتملة أشار إلى الكويت، قائلًا إنها “ربما تكون التالية”.
وأكد أن ما صدر عن السفير الإسرائيلي لا يعدو كونه توقعًا، وليس إعلانًا من الجانب الكويتي، كما أنه لم يقدم تفاصيل عن مفاوضات أو اتفاق بهذا الشأن.
وقال المطيري: “قبل أن نقرأ هذا التصريح الإسرائيلي، من المهم أن نتعرف إلى موقف الكويت من القضية الفلسطينية عبر التاريخ، وبعد ذلك لكل شخص أن يقرأ التصريح بالطريقة التي يراها”.
وأشار إلى موقف سمو أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، موضحًا أنه في 21 أكتوبر 2023، عندما كان وليًا للعهد، مثل الكويت في قمة القاهرة للسلام، وألقى كلمة أدان فيها ما ترتكبه سلطات الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءات وقتل للمدنيين.
وأضاف أن الشيخ مشعل طالب بالوقف الفوري للعمليات العسكرية، وتوفير الحماية للمدنيين، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة، كما رفض الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا.
وأكد، وفق المطيري، موقف الكويت قيادة وحكومة وشعبًا في دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967.
وأضاف أنه في 22 أكتوبر 2023 أعلن وزير الخارجية الكويتي آنذاك الشيخ سالم عبدالله الجابر الصباح إطلاق جسر جوي إغاثي من الكويت إلى قطاع غزة عبر مطار العريش، مشيرًا إلى أن الجسر جاء بأوامر سامية من الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وبتوجيهات مباشرة من ولي العهد آنذاك الشيخ مشعل الأحمد الصباح.
وقال المطيري إن الموقف الكويتي لم يقتصر على البيانات والتصريحات السياسية، وإنما ترجم، بحسب قوله، إلى تحرك إغاثي مباشر من خلال إرسال طائرات محملة بالمساعدات إلى غزة.
واستشهد بمواقف سابقة للقيادة الكويتية، مشيرًا إلى ما رواه رئيس مجلس الأمة السابق مرزوق الغانم عن موقف الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، عندما تعرضت الكويت لضغوط بشأن التطبيع، ونقل عنه قوله إنه لا يريد أن يلقى الله وهو “مصافح للصهاينة”.
من المقاطعة إلى التشريعات
وأشار المطيري إلى أن الموقف الكويتي تجاه القضية الفلسطينية يعود إلى عقود مضت، لافتًا إلى أن الكويت أصدرت عام 1957 مرسومًا بشأن مقاطعة البضائع الإسرائيلية، ثم صدر القانون رقم 21 لسنة 1964 في شأن القانون الموحد لمقاطعة إسرائيل، الذي يحظر صورًا من التعامل مع الجهات والأشخاص المقيمين في إسرائيل أو المنتمين إليها.
كما أشار إلى المرسوم الصادر عام 1967 بشأن حالة الحرب الدفاعية مع العصابات الصهيونية، معتبرًا أن هذه التشريعات والمواقف تشكل جزءًا من السياق التاريخي للموقف الكويتي.
ولفت إلى أن الموقف من القضية الفلسطينية لم يقتصر على القيادة السياسية، بل امتد إلى مجلس الأمة ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وأشار إلى مواقف عدد من رؤساء مجلس الأمة السابقين، بينهم جاسم الخرافي وأحمد السعدون ومرزوق الغانم، في دعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع، كما استشهد بتصريحات لرئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت السابق محمد جاسم الصقر، أكد فيها مكانة فلسطين في الوعي الكويتي.
وأكد المطيري أن الدعم الكويتي لفلسطين لم يقتصر على المواقف السياسية، مشيرًا إلى ما وصفه بتسيير عشرات طائرات الإغاثة وإرسال قوافل برية وبحرية، إلى جانب فرق وطواقم طبية ومساعدات إنسانية لإغاثة أهل غزة.
كما أشار إلى مشاركة الشهيد الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح في القتال في فلسطين، وهو شقيق أمير الكويت الحالي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.
وختم المطيري بالقول إن تغير الأمراء والحكومات وتبدل الظروف السياسية لم يغيّر، بحسب رؤيته، حضور القضية الفلسطينية في الكويت، التي ظلت حاضرة في مواقف القيادة والبرلمان والتشريعات والعمل الخيري والقطاع الخاص والمجتمع.
وأضاف أن الحديث عن احتمال تطبيع الكويت، في ضوء تصريحات السفير الإسرائيلي، يستدعي استحضار هذا التاريخ الطويل من المواقف الكويتية تجاه القضية الفلسطينية قبل تقييم دلالات التصريح الأخير.

