
تعليلة راشد
“على الله تعبي معك يكون بفايده و ما تنكر فضلي عليك”
“مبارك يا عريس..عقبال ما نشوف أولادك على بسطة قد الدنيا”
“الله يخليلك البنك اللي لولا قروضه كان عمرك ما قدرت تتجوز”
“أنا ميت من الجوع..اذا ما فيه منسف ترى بخرب العرس”
هذا هو ملخص ما استطيع تذكره من كلمات الشباب أثناء تعليلة صديقنا المقبل على الزواج “راشد” و الذي كان منهمكا بتوزيع الابتسامات هنا و هناك .. و كلما صافح رجلا كبيرا في السن ، يقترب مني و يسألني “يزم مين هاظ؟ ” و بضحكة خافتة أرد عليه ” هاظ سمير اللي الناس دوشونا بدهم يعرفوه” فنضحك قليلا ثم يذهب و يقترب مني مجددا بعد برهة و يهمس لي ” يزم شعبك جعان..صدقني لولا المنسف ما حد بييجي” نضحك قليلا ثم نقطع كلامنا ليذهب راشد لمصافحة أبو أحمد و تقبل التهنئة ثم يجلسه على أحد الكراسي.
هناك على رأس الشارع جارنا “أبو نكد” و هذه كنيته الا أن اسمه “أبو عقيل” و قد كان على خلاف مع “أبو راشد” والد صديقنا و ذلك و حسب ما علمت لأن “أم عقيل”لا تكف عن القاء أكياس نفاياتها بجانب باص أبو راشد… الهونداي الذي كان يسرفس عليه بعد تقاعده من الخدمة في السلك العسكري.
طاط..طاط..طوط…أبو عقيل يمد رقبته من شباك سيارته موجها كلامه لراشد”أي هو كل ما واحد تجوز و لا مات بدكم تسكروا الشوارع مشانه؟ بدنا نمرق نروح لبيوتنا” و انتظرت أنا ردة فعل راشد و قد توقعت الأسوأ لكنني دهشت من لباقة راشد عندما قال له” الله يبارك فيك عمي..عقبال عند عقيل تفرح فيه و نسكر اله المحافظة كلها”
ابتسم أبو عقيل ابتسامته الصفراوية المعتادة بوجه راشد ثم رجع بسيارته للخلف ليصفها في مكان لا يبعد سوى خطوات عن مكان التعليلة.
“ول عليه ما أنكده..كوم حجار ولا هالجار..يزم كيف طايقينه..اصلا احسن اله يبعدها لا يشخطوها العيال” صب صديقنا حكيم جام غضبه على أبي عقيل بهذه الكلمات و رغم أن أبا عقيل لم يسمعها الا أن الرد جاء من حيث لا نتوقع… “عيال ؟”..ول عليك شو انك قروي ! قول أولاد صغار..قول أطفال”
أطلق “حموده” هالكلمتين على حكيم كالرصاص و هرب على دراجته الهوائية كالصاروخ و انتهزنا نحن الفرصه لنضحك فقلنا لحكيم “ولد صغير علم عليك..يزم ادفن حالك هههه” و بنظرة رصينه و صوت هادئ رد علينا بقوله “جيل سبونج بوب و سبيستون..شو بدك تقضب منه! ”
طبعا أنا تفكرت في كلمة “تقضب” و قلت بقلبي “و الله حموده صادق ..قروي و نص” و ضحكت بسري.
قطع ضحكي توقف المطرب المفاجئ عن الغناء و هدوء الشباب أمامنا هدوءا لم يمنع أيديهم من البقاء متشابكة ببعضها رغم أن أقدامهم تمسمرت في الأرض ..اعتقدنا بداية أن موعد الموال الحزين قد حان و خابت توقعاتنا عندما تشبث المطرب بالميكروفون ليقول”رحبوا معي بمختار الحارة..عمود البيت..حامي الحمى..الشيخ ابن الشيوخ..راعي المسيرة و عقيد القوم..
الشيخ ” أبو كاسر الخواطره”
أفسح الجميع الطريق لمن بدا و كأنه أسطورة كما قدّمه مطرب الحفل و قام أبو راشد فكان على رأس المستقبلين فصافحوا المختار و أجلسوه في صدر المجلس و انطلق المطرب مغردا بصوته من جديد.
كان أغلب الحاضرين يتأملون في سيارة مختارنا و يتساءلون عن موديلها رغم أن لمعة شعار المرسيدس بادية للجميع..
و بينما كان سائقه يسير مبتعدا قطع تأملاتي و تساؤلاتي صديقي حكيم و الذي جذبني من كتفي و همس في أذني”شوف شوف الصبايا واقفات على الشبابيك .. بيموتن بالسيارات و المظاهر” فما كان مني سوى أن ضحكت و مازحته بضحكة”زي سيارة أبوك الكيا الخمريه ” و هنا رد علي بنبرة يكتنفها رفض للواقع “يزم اذا البنت بدها تحبني عشان مصرياتي…بلا منها” و هنا اضطررت أنا للتجاوب مع مراعاة مشاعره و قلت له”بيعجبني فيك انك بتفهم”
أخذ المطرب بالغناء لمختارنا و كاد أن ينسى صاحب التعليلة “راشد” و المختار منتشيا من حوله الناس يتزلفون و تحت أقدامه يرتمون .. أما أنا و أصحاب راشد فرحنا نمارس عادتنا بانتقاد كل شيء و نلوم في النساء غيبتهن و نميمتهن بينما نتجاذب أطراف الحديث. .
“يزم ول عليه شو انه مطرب هزيز ذنب”
“شوف شوف كيف ايده بترجف و هو بصب القهوة للمختار”
“بتتذكروا حنان الحوله حبيبة راشد أيام المدرسه…أيام ما كان بيشبه كابتن نامق ههههه ؟ شو رأيكم نفضحه و نقول لمرته؟”
و كانت كلمة”مرته” اخر ما سمعته عندما انقطعت الكهرباء و حاول كل منا التزام مكانه الى أن يعود التيار و لم يكسر صمتنا سوى مزاح يوسف حيث قال ” هظول أكيد قرايب راشد قطعوا الكهرباء..عشان ما نوكل منسف” فانفجرنا من الضحك و ازداد وقع الضحك عندما رد عليه حكيم قائلا”يزم انت بتفكرش غير ببطنك و بس؟..سبعك”
طال انقطاع الكهرباء و أخذ الحضور بالتململ الى أن حصلت الصدمة التي لن أنساها ما حييت…
شاب في مقتبل العمر لا يبدو سوى كظل رجل ملتحي اقتحم الساحة كالمجنون و وقف بجانب الطاولة المستديرة التي كانت تحمل دلال القهوة و ماء الشرب و أخذ يصرخ “وينه؟ وينه هالظالم؟ ولك بتفكر اني نسيتك؟ و الله لتموت اليوم. .بتفكر بدي أظل ساكت على سرقتك لحياتي؟ أنا ما ظل شي عندي أخسره…ولكم وينه؟ ولك ابو كاسر يا حرامي وينك؟”
لم يقترب من ذلك الشاب أي منا ، خصوصا و أنه كان في حالة هياج و زاد الهلع قول أحدهم “ولكم معاه سلاح…وحد الله يا رجل”
ما أن سمع الحضور تلك الجملة..حتى تلاشوا و بقي عدد لا يتجاوز أصابع اليد فلا مختار و لا جار و لا مطرب ..الجميع اختفى.. و نحن نراقب ما يجري من بعيد .. لم يبقى في ساحة التعليلة سوى ذلك الشاب و راشد الذي ذهب لبيته لاحضار سلاحه …أصوات رصاص لا تشبه أبدا أصواتا كانت تصدر عن حموده بينما كان يفجر باكيتات العصير تحت قدمه.. انه رصاص حي… وصوت أم راشد من شباك منزلها “برضاي عليك يمه لا تقتله” و تعالت اصوات الرصاص و كانت الصدمة زلزالا عندما صرخ رجل لم أعرف هويته ” ولكم مات راشد…..راشد مات يا ناس”..تجمدت في مكاني على هضبة صغيرة مشرفة على ساحة التعليلة حيث كنت أراقب مجريات الأمور … سحبتني دوامة فكرية لم تنقذني منها سوى يد والدي تمسك بكتفي و الذي قد ارسل اخوتي مرارا لمناداتي سابقا لكنني لم أستجب…”تعال روح بلاش تقع بسين و جيم و يطلبوك شاهد” و من حينها تراودني الكوابيس و يلومني ضميري لأنني لم أفعل شيئا لنصرة صديقي راشد ..و مما خفف جرحي براشد معرفتي في صبيحة اليوم التالي أن غريم راشد قد تم قتله أيضا ..و ها أنا أكتب ما حدث بعد استفاقتي و بعد عدة أيام من الخطب الجلل … يدفعني للكتابة حبي لراشد و رؤيتي للمختار يتحدث على التلفاز عن بطولته في ذلك اليوم و قهري و ادراكي أن للمختار يد في تخريب عرس راشد.
رحمك الله يا راشد ..ارتوت أرض العرس بدمائك …دافعت عن حقك بالفرح و دفاعا عن حياة غيرك فحق لي أن أحزن لأجلك و أن أتساءل من هو قاتلك ؟ أمظلوم أم ارهابي كما يزعمون؟