حكومات نص ثقة … والاحتجاج مستمر / د. نبيل العتوم

حكومات نص ثقة … والاحتجاج مستمر

أعتقد أنه قد حان الوقت كي تعترف الحكومة أن حل المشاكل التي يعاني منها الأردن ، أكبر من قدراتها، وأن المسألة الرئيسية باتت هي عدم القدرة على إدارة هذه الأزمة بأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية ممكنة ، وتلافي تأثيراتها المدمرة على الغالبية العظمى من الأردنيين . و هذا بالتأكيد قدح فى أداء الحكومة وسياساتها ، و دعوة لاستبدال النهج القائم نظراً لحجم المشاكل التى بات يواجهها الأردن اليوم، والمتمثلة في اختلالات هيكلية موروثة من الحكومات الأخرى، و التي تحولت مع السنوات إلى أزمات ضاغطة وملحة خاصة مع التراجع الاقتصادي وتآكل الطبقة الوسطى ، صاحبه انهيار معيشي غير مسبوق .
ولعل أول ما يجب على الحكومة الحالية فعله هو الاعتراف بأن هناك أزمة، وأنها أكبر من إمكانيات هذه الحكومة التي تعيش حالة تخبط غير مسبوقة ، يجب الاعتراف ثانياً أنه من غير المرجح ولا المحتمل أن يشهد الاقتصاد الأردني تعافيا ولا نموا معتبراً، وأن كل ما فى وسع الحكومة عمله هو إيجاد سبل لإدارة هذه الأزمة على أمل أن تمر بأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية ممكنة ، وهو ما فشلت به ، وهذا ما اتضح من خلال الركون إلى تحميل الشرائح الاجتماعية غُرم سياساتها ، وسعت للخروج من ” عنق الزجاجة ” ، من خلال السطو على جيوب العباد ، ومضت نحو تسييس النقاش حول إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لأن ما تحتاجه الحكومة في هذه المرحلة هو إشراك أكبر عدد ممكن من القوى السياسية والمجتمعية، وبناء توافق لدى الرأي العام حول الإجراءات والسياسات التي يتم اتخاذها بدلا من صناعتها فى غرف مغلقة ، من خلال ما أصطلح على تسميته ” المطبخ السياسي ” الذي أنتج وجبات منزوعة الدسم ، ثم البحث عن مروجين لها من هواة الإعلام ، أو بواسطة طرق ملتوية لفرضها كأمر واقع فيما بعد.
لا أعتقد أن هناك خلافا كبيرا حول الأولوية في إدارة الأزمة الحالية، وهو التقليل قدر الإمكان من الأثر السلبي للسياسات الحكومية وانعكاساتها على مستويات معيشة الغالبية العظمى من الأردنيين ، خاصة أن أكثر من نصفهم تقريبا يعيشون إما قريبا من خط الفقر أو دونه، وينفقون الجزء الأكبر من دخولهم على تحصيل الأساسيات مثل الغذاء والنقل والطاقة والتعليم ، ما جعل غالبية الشعب تحت مرمى “خط نار” بفعل السياسات الحكومية التي استهدفت “بلا رحمة” أصحاب الدخول المنخفضة ، ولم يتم مراعاة أحوالهم ولا شئون معيشتهم .
المحزن عندما تتصفح وجوه الناس تجد هناك أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة , وعادة ما تنشأ الثقة عادة بين المواطن والدولة من خلال ما تترجمه الحكومة من آمال وطموحات واحتياجات المواطن ومتطلباته الأساسية , وإنتماء المواطن وولاءه لدولته مرهون بتحقيق أبسط متطلباته الحياتية التي تضمن له العيش بكرامة ، وإذا فشلت الحكومة في ذلك فهي تفقد مصداقيتها وثقتها لدي الشعب وهو ما بات يحصل في الأردن . الآن
إن استعادة الثقة بين الطرفين تحتاج إلى نهج وبرنامج واقعي يتم تطبيقه من جانب الحكومة، بحيث يترجم احتياجات الناس ومتطلباتهم ، ويعبر عن أحلامهم وطموحاتهم ، فالحكومة الناجحة هي التي تمتلك فريق ناجح مؤهل علمياً وإدارياً ينزل الى الشارع لملامسة هموم المواطن والاستماع إلى احتياجاتهم الضرورية والعقبات التي تواجه حياتهم اليومية، وهي الحكومة التي تمتلك الجرأة لشرح وجهات نظرها ، وتبرير الإخفاقات التي تحول دون تنفيذ المشاريع وإقناع الشارع بما تقوم به, وليس التمترس خلف المكاتب والجلوس خلفها.

الحقيقة المؤكدة أننا ومنذ سنوات أمام حكومات “نص ثقة ” ، وهي حكومات تسيير أعمال لا أكثر ، والحقيقة المرة أننا نعيش أزمة ثقة غير مسبوقة بين المواطن والدولة الأردنية برمتها ، و هناك عدة أسباب لأزمة الثقة الحاصلة والتي ولدت حالة من انعدام المصداقية ، وفي مقدمة خطابات الثقة التي تعد بمثابة “الوعود الوردية” التي تعطيها الحكومات المتعاقبة للمواطنين البؤساء ، والتي أثبتت الأيام أن الكثير من تلك الوعود هي خطابات نارية رنانة تحوي شعارات فارغة لا تسمن ولا تغن ، والتي لا تجد طريقها إلى التطبيق ضمن الأجندات الحكومية ، وباتت من الوسائل لاثراء مقاطع الفيديو الساخرة التي يتم التندر بها على وسائل التواصل الاجتماعي لا أكثر .
السبب الثاني أن مستوى الثقة بالعملية السياسية في الأردن باتت معدومة بعد الحكومات التي يتم تشكيلها وفق هندسة” المصالح الشخصية والقطاعات ” ، ووصلت إلى مرحلة توزيع مغانم المواقع والمناصب بين المعارف وأصدقاء العمل وفق اعتبارات كارثية كالمصاهرة والنسب وشركاء العمل وفريق نادي ” طاولة النرد، و لعبة البناكل والهند وولائم الزرب ..” ، مما ترك تداعيات كبيرة وخطيرة على الحالة السياسية للأردن ؛ و التي انعكست أثارها على مصداقية الدولة الأردنية وجديتها ، وجسد حالة من “عبقرية الفشل ” من خلال الإدارة السيئة ، و التي أوجدت حالة من الترهل في أغلب مؤسسات الدولة الإدارية والخدمية، الذي بات يقودها الهواة، وعديمي الخبرة، والطامحين للإثراء ، وتسيير أعمال شركاتهم واستثماراتهم .
السبب الثالث شيوع الفساد الإداري والمالي في المؤسسات الحكومية , الذي نخر جسد الدولة، وشوه صورتها، وأفرغ الدولة من هيبتها وشكلها ومضمونها ، تلك السلوكيات والإخفاقات السيئة جعلت البلاد والعباد في أزمة ثقة حقيقة مع الحكومة، ومؤسسات الدولة برمتها ، مما ولد حالة من اليأس والقنوط والهزيمة النفسية التي بات يعيشها المواطن الأردني، والذي تصدر قمة أمنياته في العام 2019 جلب وليد الكردي، ومكافحة الفساد ، وإعادة أموال الدولة المنهوبة ، ووضع خارطة طريق لمعالجة الأزمات التي يعاني منها المجتمع الأردني .

السبب الخامس فهو انعدام المنافسة السياسية وآثارها؛ عادة ما يكون هناك أسباب جوهرية تكرس حالة أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة السياسية والإدارية، وعادة ما كان يأتي في مقدمتها الفوضى الحزبية والصراعات السياسية بين الكتل والأحزاب والتيارات التي تشارك في العملية السياسية على غرار ما يحدث في لبنان والعراق ، و عادة ما تسعى إلى توسيع الهوة بين المواطن والمؤسسات السياسية ، وتسهم في تكريس أزمة الثقة بين الشعب والحكومة…، لكن في الأردن هناك أمر محير فعلاً ، ويستحق الدراسة والتأمل ، إذ لا توجد مثل هذه الحالة لا داخل حكوماتنا ولا مؤسساتنا مطلقاً ، وهذا يدعونا إلى التساؤل لماذا تعاني دوماً حكوماتنا من العجز عن أداء مهامها والمسؤوليات المناطة بها ، على الرغم من عدم وجود أحزاب وتيارات هدفها إفشال مؤسساتنا السياسية والإدارية من الداخل ؟ .

مقالات ذات صلة

لقد أصبحت أزمة الثقة بمثابة “بروميتر” للموطن الأردني يطبقه لقياس أداء مؤسسات الدولة , وهذا الانعكاس النفسي والسلوكي تتحمله الحكومات لأنها لم تخلق لغاية اللحظة حالة انسجام وتوازن بين مصالح الشعب ومصالحها، و المواطن الأردني هو مواطن ذكي وواعي يميز الخبيث من الطيب ، ويُشخص بصورة واضحة أداء الدولة ومؤسساتها، و لا يمكن استغفاله تحت أي ظرف ، ووجوده على الدوار الرابع بات يمثل خيارًا لا رجعة عنه بما يمثله من رمزية للتعبير عن مطلبه في التغيير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى