الدين والتدين / د. هاشم غرايبه

الدين والتدين

هنالك مقولة بدهية مؤداها أنه لا يعرف الدين إلا المتدين، قد يتفهم المعادون للدين حقيقة أنه لا أحد يعرف الطب أكثر من الطبيب، ولا في أسرار الطيران كالطيار، لكنه عندما يتعلق الأمر بالدين تجده يماري فيه ويعتد بمعرفته السطحية به والتي غالبا ما يكون مصدرها معلومات مستقاة من مصدر متحيز تعزز فكرته المسبقة والمتشكلة أصلا بناء على التعصب المضاد.
كيف تكونت الفكرة المشوهة عن الدين؟
هي نتاج ذاكرة جمعية أوروبية تعود في جذورها الى القرون الوسطى، حينما كان الجهل والإستعباد والخرافات تسيطر على ثقافة العامة، في حين أن التعلم كان محصورا في الطبقة الدينية، ومعظم التعليم الأولي كان يتم على أيدي متطوعين من الرهبان والتبشيريين باعتبار أن عملهم هذا جزء من رسالتهم لنشر المسيحية، على الرغم من أن ذلك قد أثمر في محو الأمية التي تعتبر مفتاح التعلم والثقافة، إلا أن خلط التعليم الأولي بالفكر اللاهوتي غير المفهوم للعامة صنع حاجزا بينهم وبين رجال الدين.
في المقابل كان التعليم الأساسي في العالم الإسلامي مقصوراً على الكتاتيب وهي أيضا منوطة برجال الدين، ومرتكزة على تعلم القراءة والكتابة ثم حفظ القرآن وقواعد اللغة.
إذا الأصل أن يعتبر الدين رافعة للوعي والثقافة والأخلاق، سيما وان من يعتبرون متدينين (رجال دين) كانت سمتهم الأساسية خدمة المجتمع ورفع مستواه الثقافي، كيف تم تحوير النظرة إليهم من رسل الإنسانية الى شياطين الشر؟
اذا عدنا الى بدايات هذا التحول ، وهي بالضبط عندما كان كاهن الكنيسة مصلحا ومحاميا عن البائسين، وعندما كان إمام المسجد بؤرة النور والخير في الحي، في تلك الحقبة كان الإيمان بالله يعني كل تلك المعاني، وفوق ذلك كان عنوانا للعدالة المجتمعية وعقبة أمام أصحاب المطامع والجشعين.
هؤلاء الطامعون في أوروبا كانوا أصحاب النفوذ الإقطاعي، والذين كانوا مرتاحين الى تميزهم عن الناس والى الإمتيازات الموروثة، وليس لهم مصلحة في نشر قيم المساواة والعدالة والحرية، لذا بدأ برنامجهم الشرير بتحوير الكاثوليكية لعزلها وتجريدها من سلاح التأثير المجتمعي، فترضخ للسياسيين الذين هم بدورهم يرضخون لأصحاب الرساميل الكبرى، واستطاعوا السيطرة التامة على المؤسسة البابوية، ويتبدى ذلك بوضوح في عملية اختيار البابا، واستكمل ذلك بجعل العلمانية دينا بديلا.
بالتوازي مع ذلك كان أصحاب النفوذ السياسي في العالم الإسلامي قد تمكنوا إحكام الحصار على المؤسسة الدينية، فباتت مجرد دائرة (الأوقاف)تابعة للسلطة وهي التي تختار مفتيا ليغطي جور وظلم السلطان بالمقولة الزائفة: طاعة ولي الأمر.
تصبح الأمور مفهومة بعد ذلك، ستنسب كل الشرور للدين، وسيعتبره البلهاء أساس البلاء، ولن ينبههم أي من المثقفين الجهلاء إلى المحرك الحقيقي لكل الشرور ولن يشيروا الى مفتعلي الأزمات والحروب، لسبب بسيط هو إيمانهم بالفكرة الحمقاء : الدين أفيون الشعوب.
أصل هذه الفكرة تعود الى مفكر قومي ألماني(ماركس)كان مهتما بالقضية اليهودية ثم تطور فكره الى المادية بمشاركة (انجلز)متأثرين بأفكار (هيجل ) المثالية و(فورباخ)المادية، وحاولا أن يسدا قصورهما بالتصادم مع الفكرة الدينية (الكاثوليكية)، طبعا يكفيهم جهلا أنهم أهملوا دراسة القرآن اعتقادا أنه مقتبس من روايات توراتية.
الدين الذي أهملوا دراسته فلم يعرفوه هو كيان إلهي المنشأ، يتكون من المعتقد ونظام الحياة والسلوكات، والتدين هو ممارسة بشرية وتطبيق لذلك الدين، وبما أن الإله واحد لذلك فالدين واحد، وهو مرجعية كل الرسالات السماوية، وأسماه موجده: الإسلام.
سيبقى الدين تلك الفكرة السامية، ويمثل المنهج المثالي والعملي لضمان سعادة البشر، لن يضيره تقصير المتدينين، ولن يعزه صلاحهم، ولن يتمكن معادوه من إثبات عيب واحد فيه، لذلك يتجهون لمهاجمة المتدينين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى