
ثورات اجتماعية قادمة
الدكتور أحمد الشناق
تختلف الثورات الاجتماعية عن الثورات السياسية في جوهرها وأهدافها؛ إذ تسعى الأولى إلى إعادة تنظيم المجتمع بأكمله، من خلال إعادة تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة، وليس الاكتفاء بتغيير شكل النظام السياسي فقط.
وتنشأ هذه الثورات بفعل مجموعة من المحركات الأساسية، أبرزها غياب العدالة الاجتماعية، وانتشار الفساد، وسوء توزيع الثروة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إضافة إلى ضعف الخدمات الأساسية كالعلاج والسكن وفرص العمل، بما يحرم المواطن من حياة كريمة.
وعادةً ما تنتهي الثورات الاجتماعية بتغييرات عميقة في بنية الأنظمة السياسية، لا تقتصر على تبديل الحكومات، بل تمتد لتشمل مختلف مكونات النظام.
في جوهرها، تمثل هذه الثورات رفضاً شاملاً للطبقات السياسية التي عجزت عن تلبية مطالب المواطنين، كما تشكل تمرداً على الأحزاب التقليدية وما يُسمى بالأحزاب التاريخية التي احتكرت الوصاية على المجتمع. ويختصر شعارها في عبارة واحدة: “أنا مواطن ومن حقي أن أعيش”، وهو ما يميزها عن الثورات السياسية التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية.
ومن خلال قراءة التاريخ السياسي للشعوب، نجد أن الثورات الاجتماعية غالباً ما تأتي على شكل موجات احتجاجية متتالية، غير محددة بزمن أو تخطيط مسبق، وتتمحور مطالبها حول المواطنة، وكأنها تمهد لظهور طبقة سياسية وحزبية جديدة قادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
كما يمكن اعتبار هذه الثورات نتيجة طبيعية للواقع الذي عاشته المجتمعات العربية، حيث أثقلت كاهل الإنسان بالفقر والخوف، في ظل غياب التنمية الحقيقية، رغم تعدد الشعارات والوصايات المفروضة على الشعوب.
وقد نشهد بالفعل موجات احتجاجية في عدد من الدول العربية، تعكس ما يعتمل في داخل هذه المجتمعات من احتقان. هذا الاحتقان يبدأ بإرهاصات محدودة، لكنه قد يتطور إلى ما يشبه “تسونامي” من الثورات الاجتماعية. فالمجتمعات، وإن بدت صامتة، تخفي في داخلها غلياناً وجمراً تحت الرماد، ولن يطول صمتها أمام حق الإنسان في حياة كريمة وصون كرامته.
وتؤكد التجارب التاريخية أن مواجهة المطالب الشعبية بالعنف أو الاحتواء المؤقت لن تكون مجدية، إذ تبقى حلولاً آنية لا تصمد أمام إصرار الشعوب على نيل حقوقها.
وفي ظل ضغط الحاجات الأساسية لاستمرار الحياة، ستنكسر حواجز الخوف، ويصبح النزول إلى الشارع أمراً حتمياً، تعبيراً عن المطالب والحقوق الأساسية في العيش الكريم.
