ذات الشوكة / د. هاشم غرايبه

ذات الشوكة

شكلت حادثة مذبحة نيوزيلنده، ضربة قاصمة لتحالف محاربي الإرهاب الأشاوس، فعلى الرغم من بشاعتها وما خلفته من ألم فقدان مؤمنين أبرياء، فقد كانت ماحقة لكل جهودهم الخائبة في تجريم الإسلام ووصمه بالإرهاب، والتي ما فترت يوما منذ بداية الألفية الثالثة.
لا شك أن أكثر المتضررين هم عملاء الغرب المتعاونين معهم في مهاجمة الإسلام، سواء كانوا الأنظمة العربية المرتبطة منذ تأسست بهم، أو بعض المضبوعين من العلمانيين المنبهرين بالغرب، وهم في الوقت نفسه مصابون بعاهة الإسلاموفوبيا، هذان الفريقان انتظما في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب (الإسلامي) الإفتراضي مبكرا، وارتفعت أهازيجهم (إنها حربنا)، آملين أن تحقق هذه الحرب دحر الإسلام.
لكنهم لا يعلمون أن مثل هذه الأحداث، هي ذات الشوكة التي يُقدّرها الله من أجل استنهاض همم المؤمنين، وهي أشبه ما تكون بأمصال المطاعيم التي قد تحدث ألما مؤقتا، لكنها ترفع المقاومة وتقضي على جراثيم فتاكة كانت تتربص بالجسم لتهلكه، كما أنها تمحيص وغربلة، فقد كشفت النفوس اللئيمة، وعرّت حقد المتعصبين، وأزالت أقنعة المنافقين الذين كانوا يخفون مراميهم المعادية للدين خلف قناع أنهم يريدون تنقيته من الإرهابيين الذين يسيئون إليه، فيما لا يسيء إليه أحد أكثر منهم.
لقد سقط – من أهم ما سقط أيضا – ذلك التضليل المسمى بخطاب الكراهية، فقد أدخلوا في أذهان الناس مقولة أن الدين يدعو الى كراهية الآخر، وهو الذي يحرضهم على العنف، ثم صدّقوا كذبتهم وبنوا عليها ما سموها: (الحرب الفكرية للقضاء على الفكر الداعشي المعشش في عقول المسلمين)، واندمجوا في الدور كثيرا، لدرجة أصبحت هذه المعركة هي الشغل الشاغل للانظمة العربية وللمنظمات غير الحكومية الإختراقية ولمعتوهي الإسلاموفوبيا، وكأنما حلت كل مشاكلنا الإجتماعية، وتحققت حقوق المواطنين وأنجزت مصالحهم، وعم الرخاء وتحررت الأوطان واستعيدت الكرامة، فلم يبق من همٍّ يؤرقنا غير (خطاب الكراهية) المزعوم.
فمنذ عشرة أعوام، لا يمر يوم إلا وتعقد ندوة أو ورشة عمل أو مؤتمر للبحث في كيفية (تنقية) مناهج التدريس ومحتوى الإعلام وخطاب السياسة من مفاهيم الإسلام الداعية الى كراهية الأعداء والغزاة والمحتلين.
لنتوقف لحظة ونفكر بعقل محايد: ما معنى ذلك وما المقصود به؟
كراهية الآخر أمر ممجوج ولا يمكن أن يشكل ثقافة لأي مجتمع، لأنه نقيض الطبيعة البشرية، فالإنسان مدني بطبعه ومفطور على التعاون مع غيره.
لذلك لا يتولد الكره للشخص بل لفعله عند ظلمه أو أخذ ما ليس من حقه، والدافع لذلك الظلم هوالطمع، فإن تحققت العدالة واستعيد الحق زال مبرر الكره إذن فالكراهية أمر طاريء يزول بزوال الدافع، ومثال على ذلك الهنود، فقد كانوا يكرهون الإنجليز كونهم استعبدوهم ونهبوا خيراتهم، عندما رحل المستعمرون، زالت الكراهية وأصبحت بريطانيا مهوى أفئدة الهنود.
وفي حالتنا الراهنة، جاء اليهود الأوروبيون واستوطنوا فلسطين، لم يكرههم سكانها إلا حينما كشفوا عن نواياهم الإستعمارية..فهل من المنطق أن نطالب أصحاب الأرض بمحبة من طردهم منها بالقوة؟
فهل ندين هؤلاء بكراهيتهم لمن سلبهم حقهم، قبل أن تتحقق العدالة ويزول الظلم؟
أليست الدعوة الى تخليهم عن كراهية المحتل والتي هي زادهم الوحيد لإبقاء قضيتهم منظورة وعدم ضياع حقوقهم، هي ظلم آخر يصاف لظلم المحتل، لأنها تحيز للظالم؟
وإذا ماتوسعنا في هذا المثل وشملنا كل بقاع الأمة المغتصبة خيراتها من قبل المستعمر ووكلائه المحليين، والمستباحة كرامة مواطنيها والمهدورة حقوقهم كبشر، فهل من العدل أن نطالب هذه الشعوب بالتوقف عن كره ظالميها والتحول الى محضهم الحب والتنازل عن حقوقهم..أليس ذلك هو الظلم بعينه؟.
هكذا فهمنا ما يراد بكل هذا الضجيج عن خطاب الكراهية.
لكن بقي السؤال: لماذا يحملون الإسلام المسؤولية عنه؟
الأنظمة العربية أصلا موظفة لدى الغرب وتنفذ برامجه التطبيعية أي مسامحة العدو بما اغتصبه، وأما القوى (الوطنية) وبعد الثورات العربية فقد أيدت الأنظمة وتخلت عن الشعوب المقموعة، فلم يبق من نصير يحرضها على عدم التخلي عن حقوقها غير الإسلام، فمبادئه مثبتة في قرآن لا سبيل الى تعديلها، لذلك فهو العقبة الكأداء أمام الخنوع للعدو والتطبيع معه.
لهذا فهو المستهدف الرئيس بالعداء.
لكنهم واهمون، وفي أحلامهم يعمهون، فهم كالوعل ناطح الصخرة ليوهنها..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى