
هل نحن أمام #الإجهاض الأخير لأوسلو وإعادة #احتلال #الضفة_الغربية
بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد
منذ توقيع اتفاقية أوسلو، ظلّت الأرض الفلسطينية مسرحًا لتجارب سياسية وأمنية لم تُثمر سوى مزيد من القمع والاستيطان، فيما بقيت السلطة الفلسطينية مكبّلة بقيود التنسيق الأمني. واليوم، ومع تصاعد الحديث عن إعادة احتلال الضفة الغربية بصورة مباشرة، يبدو أننا أمام لحظة مفصلية قد تُشكّل الإجهاض الأخير لهذا الاتفاق الذي فقد روحه منذ زمن طويل.
والحقيقة أن الفلسطينيين لم يجنوا من أوسلو سوى سلطة خاضعة لقيود #الاحتلال، تحوّلت تدريجيًا إلى أداة لتكريس الانقسام، وحماية منظومة الاستعمار الاستيطاني عبر التنسيق الأمني، لا لحماية الشعب بل لضبطه. سلطة فرّغت الكفاح الوطني من محتواه، مقابل وهم السيادة في ظل احتلال يتحكم بكل شيء، من الهواء والماء، إلى المعابر والحدود. سلطة قامت منذ نشأتها على معادلة مشوهة: الاستقواء على الداخل الفلسطيني المقاوم، ومهادنة المحتل، بل والتواطؤ معه في كثير من المحطات.
ولذلك، فإن الحديث عن نهاية أوسلو قد لا يكون نتيجة لقرار وطني فلسطيني، لأن هذه السلطة – التي وُلدت في رحم #أوسلو – ليست في وارد الانفكاك عنه، بل لا تملك الإرادة أو الجرأة لاتخاذ قرار جذري كهذا. لقد صار هدفها الحفاظ على المواقع والمناصب، وعلى شكل هلامي لدولة لم تولد أصلًا، بينما تزداد الأرض تقطيعًا والسكان حصارًا. لم تكن في يوم من الأيام مشروع تحرير، بل مشروع حكم ذاتي محدود في نطاق الجغرافيا، واسع في حجم التنازلات.
إننا نشهد اليوم لحظة مفارقة؛ قد يأتي التحرر من أوسلو لا بقرار وطني داخلي، بل بقرار صهيوني، حين ينقلب الصهاينة على الاتفاق كليًا، ويعملوا على اعادة احتلال الضفة بشكل مباشر. وهذا ما يكشف حقيقة المشروع الصهيوني، كما يعرّي وظيفة السلطة الفلسطينية أمام الشعب: أنها كانت دومًا أداة مرحلية في يد المحتل، لحين اكتمال مشروع السيطرة الكاملة.
وفي خضم هذا المشهد، تتضح الحقيقة الجلية التي أدركها الفلسطيني جيدًا, أنه وحيد في معركته، محاصر من الخارج كما الداخل. فالفلسطيني لن يتنازل، ولن ينكسر، وسيبقى متمسكًا بأرضه وجذوره التاريخية، حتى لو اجتمع عليه العالم بأسره، ليس فقط الكيان الصهيوني، بل وكل من تحالف معه سرًا وعلنًا. فقد كشفت السنوات الأخيرة حجم التخاذل الدولي، والخذلان العربي، والاصطفاف المهين لبعض الأنظمة الإقليمية إلى جانب المشروع الصهيوني.
وبشكل خاص، فإن الدور التخريبي لصهاينة الأعراب – ممن يدّعون العروبة ويتغنون زورًا بفلسطين – قد بات مكشوفًا. فهؤلاء لا يدعمون المقاومة كما يزعمون، بل يموّلون آلة الحرب الصهيونية بالمال والسلاح، ويُغرقون منابرهم الإعلامية بخطابات النفاق والتملّق تحت ستار “دعم القضية”. لكن الحقيقة أن شغلهم الشاغل هو تطويق الشعب الفلسطيني، ومحاولة سحق إرادته، تنفيذًا لأجندات أسيادهم في تل أبيب وواشنطن. لقد سقطت الأقنعة، ولم يعد في الساحة سوى الموقف الحقيقي الصادق, أن فلسطين لن يحررها إلا أبناؤها الصامدون في الداخل، من يرابطون في الخنادق لا في فنادق التواطؤ، من يدافعون عن شرف المشرق الذي تخلى حكامه عنه مقابل البقاء على عروشهم.
ومن يراهن على الخونة من الصهاينة العرب والأعراب، فهو واهم. فهؤلاء لا يرون في فلسطين قضية، بل عبئًا يجب التخلص منه إرضاءً لعروشهم الهشة، التي لا تقوم إلا على خيانة التاريخ ودم الشهداء. هم في سباق دائم على كسب رضا الاحتلال، لا على نصرة المظلوم. أما فلسطين، فهي باقية رغم خياناتهم، وستظل، لأنها ببساطة محروسة بدماء أبنائها، لا ببيانات قمتهم ولا بخطاباتهم المسموم، فهم جاؤوا هم و اجدادهم و اعتلوا عروش الخيانة تنفيذا” لمخططات الصهيونية الاستعمارية لهذه الأرض المباركة.
لكن، في المقابل، فإن محاولة الاحتلال العودة إلى السيطرة الشاملة على الضفة، ليست إلا انعكاسًا لأزمة وجودية يعيشها الكيان الصهيوني. فهو يراهن على أن يعيد سيناريو غزة، تفريغ الأرض من سكانها، وإرغام الناس على الهجرة. لكن هذا الرهان يحمل في طياته عمًى تاريخيًا، فالفلسطيني الذي عاش مأساة النكبة والتهجير، لم يعد ذاك الضعيف المستسلم، بل أصبح أكثر وعيًا وإصرارًا على البقاء. لقد تشرّب من تراب الأرض معنى الانتماء، وحمل في ذاكرته حكايات الأجداد الذين زرعوا زيتونًا لا يزال شامخًا رغم كل محاولات الاقتلاع.
قد يظن الاحتلال أن سياسة “القبضة الحديدية” ستكسر إرادة الناس، لكنه يغفل عن حقيقة جوهرية: أن الموت في سبيل الأرض والكرامة أهون على الفلسطيني من حياة الذلّ والتشرّد. فهنا، في كل قرية ومخيم، يولد الطفل على صوت الأمل المقاوم، ويكبر على اسم شهيد، ويتربى على أن الأرض ليست مجرد تراب، بل شرف وهوية وحق لا يُساوَم عليه.
وهذا هو ما يجعل مشروعه محكومًا بالفشل مهما امتلك من قوة عسكرية. لأن ما يواجهه اليوم ليس فقط مقاومة مسلحة، بل مقاومة متجذّرة في القيم، في الأمومة التي تودّع أبناءها بالزغاريد، في الفلاح الذي يزرع حقله رغم جرافات الاستيطان، وفي الشاعر الذي يحوّل الوجع إلى نشيد حرية.
إلغاء أوسلو – سواء بقرار إسرائيلي أو بفعل انهيار ميداني – لن يكون نهاية القضية، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة من التحرر، حيث لا تنسيق أمني يحمي المحتل، ولا قيود سياسية تحدّ من المقاومة. قد يكون ذلك المسمار الأخير، لا في نعش فلسطين، بل في نعش الكيان الصهيوني الذي لم يتعلّم أن الاحتلال مهما طال، لا يمكن أن يستمر أمام إرادة شعب مؤمن بعدالة قضيته.
إننا أمام معركة وعي وصمود، معركة لا يُقاس فيها النصر بعدد البنادق فحسب، بل بمدى التمسك بالأرض، والإيمان العميق بأن الحق لا يموت، وأن من عاش مأساة التهجير مرة، لن يقبل أن يعيشها ثانية.
الموت نعم، لكن لا مذلّة. والبقاء ليس مجرد خيار، بل عهدٌ نُجدده كل يوم مع تراب الوطن: سنبقى هنا، ما بقي الزعتر والزيتون.




