تأملات قرآنية

#تأملات_قرآنية

د. #هاشم_غرايبه

يقول تعالى في سورة النجم:” وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا”، وفي ذلك تذكير لنا لطيف، ببعض أنعم الله التي لا يمكننا حصرها تفصيلا ولا عدّاً، لكن استعراضها والتفكر فيها يزيد المؤمن إيمانا، فتطمئن نفسه وتقر عينه، ويمنحنا شيئا من الراحة والسكينة، يسري عنا ما نعانيه في هذا الزمن من ظلم وتعسف الظالمين من أعداء الله، ليس لذنب ارتكبناه في حقهم، بل لأنا نقول ربنا الله.
لكنا مع كل ذلك لا يضيرنا كيدهم، ولن نرضخ لضغوطهم الهادفة لصدنا عن منهج الله، بل نحمده تعالى على ما خصنا به من دون العالمين بأن أنزل علينا قرآنا نقرأه بلغتنا فنفهمه حق الفهم من غير مترجم ولا مفسر، تم أتمّ علينا نعمته بالإيمان به، فارتفعنا بذلك قدرا.
إن التذكير ينفعنا في التنبه لكثير مما نحن عنه غافلون، ونمر عليها ونحسبها أمورا تلقائية لا قيمة لها، لكن جميع المنعكسات اللاإرادية التي يقوم بها جسمنا مثل الضحك والبكاء والسعال والعطاس والفواق والنحنحة والتثاؤب ..الخ، تتم جميعها من غير تحكم منا بها، ووفق آليات عالية التعقيد والتنظيم، فعلى سبيل المثال تمكن العلم من إجراء عملية استبدال رئة لكنها فشلت بسبب عدم القدرة على استعادة منعكس السعال، لنكتشف أن هذا المنعكس ذو أهمية بالغة، وأي خلل فيه يفقد المرء حياته، ومثل ذلك كما فشلت عملية ازالة جزء من البلعوم، لأن آلية البلع تعطلت، ووقف الطب عاجزا عن إعادة تلك الآلية، فمات المريض لعدم قدرته على تناول أي شيء عن طريق الفم.
جميع تلك الإجراءات تقوم بها مراكز في الجهاز العصبي المركزي، لم يستطع العلم بعد فهم تفصيلاتها ناهيك عن التحكم بها، ومن ضمنها الضحك والبكاء، وهي ميزة للإنسان فلا يوجد مخلوق غيره يمكنه التعبير عن مشاعر الفرح أو الحزن بالضحك أو البكاء، غير أن القرد يمكنه الضحك لكن ليس البكاء، والجمل يبكي لكنه لا يضحك.
إن الضحك والبكاء لغة عالمية فصوتهما موحد بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وأعراقهم، وهو احدى وسائل التواصل البشري على مدى التاريخ ، التي لم تتغير منذ القدم، وأكثرها تعبيراً عن التعاطف والتفاهم المتبادل، لذا فهو آلية أساسية في بناء العلاقات الاجتماعية الإيجابية.
الضحك سمة أساسية للتفاعل الاجتماعي، وله تأثير إيجابي في تعزيز الروابط العاطفية، ولكن تفسير ذلك ليس معروفا بعد، ومركز الضحك بالمخ غير معلوم أو محدد، إلا أنه يعتمد التعبير عنه على مسارات عصبية متصلة بالدماغ المتوسط والخلفى تتواجد بالقرب من مراكز التنفس.
أظهرت العديد من الدراسات أن الضحك يحمى القلب، بسبب تخفيضه لمستوى التوتر النفسي والقلق اللذين يؤديان الى تأثيرات سلبية على بطانة الأوعية الدموية مما يراكم الكوليسترول عليها (تصلب الشرايين) وتضيقها.
إذاً فالضحك يقلل من معدلات ضغط الدم، ويرفع من معدلات الأكسجين، ويساعد على التئام الجروح بشكل أسرع، كما أنه يحفز كريات الدم البيضاء على انتاج خلايا المناعة التائية والبائية، لذلك تعتمد المعالجة الحكمية في جميع الأحيان على إدخال الفرح لرفع الروح المعنوية للمريض.
والبكاء هو رد فعل طبيعي للحزن أو للألم، وأحيانا للفرح، وقد أثبتت الأبحاث أنه يساعد الجسم على الإسترخاء لتخفيف أضرار التوتر الشديد أثناء الحزن أو الألم، وأن الدموع المصاحبة للبكاء تحتوي على نسبة عالية من هرمون “بروكلاكتين” والمنغنيز والذين لهما تأثير مهديء.
هكذا نرى أن الخالق الذي أضحك وأبكى، هو الذي أنشأ هاتين الآليتين وبهذا الشكل المبهر للعقل، فلم تعرف الحكمة من وجودهما إلا بعد عصور تطورت فيها قدراته وتقدم في العلم، عندها يفهم أن هذا القرآن معجزة دائمة تفسر أولا بأول آيات الله الكونية والتكوينية، وليست مثل معجزات الأنبياء السابقين أبهرت البشر مرة وانقضت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى