
#تأملات_قرآنية
د. #هاشم_غرايبه
يقول تعالى في الآية 103 من سورة يوسف: “وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ”.
يعتقد كثير من الدعاة والمصلحين أنه بالإمكان هداية البشر جميعا، لو بذلوا جهودا كافية، لكن الله بيّن أن سنته في خلقه اقتضت أن يترك الناس لقناعاتهم، لأنه تعالى أراد أن يكون الإيمان به عقليا وليس تخويفا ولا بدافع المصلحة، لذلك كان الإيمان به ثمرة الإستخدام الأمثل لتلك الأعطية الثمينة (العقل) التي وهبها الخالق له، فترك لهم الإختيار بعد أن يبين لهم الهدى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” [الكهف:29]، ومع أن ظاهر الآية تخيير، إلا أن في باطنها تهديد ووعيد لمن اختار الكفر، بدلالة اكمالها بقوله تعالى: “إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا”.
ولما كان استخدام أغلب البشر للعقل لتحقيق المصالح أكثر مما هو بهدف المعرفة الصحيحة للمنهج، وتبيُّنِ الهدى من الضلال، لذلك كانت نسبة المهتدين ذاتيا ضئيلة، فأغلبهم احتاج الى هادٍ ومرشد، ولذلك بقي المؤمنون أقلية.
ورحمة من الله بالبشر، فلم يتركهم لما اختاروه عن طيش وجهل، فأنزل الله هداه على أنبياء اختارهم من بين البشر، ولم يرسل ملائكة ولا خلقا آخر لتبليغ رسالاته، حتى لا تكون للمعادين لهديه حجة أن ما جاءهم لا يقدرون عليه فهما ولا تطبيقا لأنه فوق مستوى البشر.
وفي آخر رسالة أنزل الله القرآن، هاديا ومرجعا للعقل الى آخر الزمن، فيتولى الإجابة على كل من رام معرفة، ويرد على كل من حاجج.
ولأن الله أكمل دينه بالرسالة الخاتمة، فقد انقطعت النبوة عن البشر، ولم يبق من رابط لهم بالله غير القرآن، لذا قد تكفل الله بحفظ هذا الدليل الإلهي من عبث البشر الى يوم الدين، بخلاف كتبه السابقة لأنه مغن عنها.
رغم التقدم في وسائل المعرفة وتناقص نسبة الأمية بين البشر، فسيبقى المؤمنون بوجود الله أقلية، رغم أنه من المؤكد أن الإيمان ينتشر بين الفئات المتعلمة أسرع كثيرا مما هو بين قليلي التعلم، بل ويتناسب عمقه ورسوخه طرديا مع تقدم الشخص علميا وتوسع مداركه العقلية.
بالطبع ليست قلة المؤمنين نسبيا ناجمة عن تحول عن الإيمان بين صفوف المؤمنين، فذلك غير ممكن، مثلما أن المتعلم لا يمكن أن يعود الى الأمية، بل لأسباب ثلاث:
1 – إما بسبب الجهل بالدين أصلا أوتكون صورة سلبية عنه أشاعها معادوه.
2 – أو لأن الإيمان يستلزم التزامات أخلاقية وسلوكية تحد من الإنسياق وراء المتع والشهوات بلا ضابط.
3 – أو لاعتقاد خاطيء بأن الإيمان بالغيبيات نقيض للعلم ويحجر التفكير الإبداعي.
فأما السبب الأول فيغلب على من لم يصلهم الدين من مصدره، فيما تشمل الحالة الثانية أغلب البشر الغرائزيين الذين يميلون الى الإنسياق وراء الأهواء والتحلل من القيود، لذلك إذا خُيّر فلن يختار التدين، لكنه يخجل من الإعتراف بدافعه، لذلك يحاول أن يرجعه الى عدم الإقتناع بوجود خالق.
لكن الحالة الثالثة، فهي الأصعب لأنها تشمل المحاججين المغرورين بما نالوه من علم سطحي بظاهر الأشياء، ويحاولون اقناع أنفسهم بالإكتفاء بذلك، لأنه لا شيء وراءها.
إن قول شخص بأنني لا أومن إلا بما أراه وألمسه يدل على غباء، فالكلب يستطيع شم رائحة لا يمكنه شمّها، والصقر يستطيع رؤية شيء لا يمكنه رؤيته مطلقا، إذاً قدرات الإنسان الحسية والعقلية محدودة، فلا يمكن جعلها حكما على وجود الشيء من عدمه.
إن الغيبيات هي معلومات محددة مصدرها الله، لم يتوصل لها البشر بالإكتشاف ولم يعاينوها بالتجريب، لذلك فالإيمان بها تحصيل للإيمان بوجود الله، وكونها محددة بدقة لا مجال للإجتهاد في فهمها فهي ليست علما تجريبيا خاضعا للبحث والتقصي.
لذلك لا علاقة لها بملكات العقل أصلا، ولا تستهلك من طاقته إلا ما تستهلكه تخزين الذاكرة، فلا تتعارض أبدا مع النشاطات العقلية بتاتا.
فهل الطبيب المؤمن بأن الله هو الشافي سيقصر في فحص المريض وتشخيص علته؟.
وهل المهندس المؤمن بأن الله خير حافظا سينقص من تسليح حديد البناء اعتمادا على تقوى أهل البيت؟
هكذا يتبين لنا سخافة الفكرة القائلة بأن الدين نقيضٌ للعلم ومُقيّدٌ للعقل.
