
#تأملات_قرآنية
د. #هاشم_غرايبه
يقول تعالى في الأيات 171 – 173 من سورة الصافات: “وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ “.
في هذه الأيات بشارة أخرى للمرسلين وطمأنة لمن اتبعهم من المؤمنين، بأنهم ومهما استحكم الباطل، وامتلك أهله وسائل القوة الغالبة، فإنهم منصورون حتما، وهذه الحتمية أمر مقطوع به، لأن الله قد قضى به في سابق علمه، ولما كان لا راد لحكمه تعالى، ولا معقب لكلماته، فهو سينفذ، لكننا لا نعلم آلية التنفيذ ولا زمنه.
وقد جاء التنكير والإبهام لهذا الوعد زمنا وكيفية لأجل أن لا يركن المؤمنون الى الدعة والسكينة فلا ينتصرون لدين الله ولا يجالدون أعداءه، من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي لا تتناقض هذه السنة مع سنة الإبتلاء والتمحيص التي خلق الله من أجلها الموت والحياة ليبتلي الناس أيهم أحسن عملا، ويمحص من بينهم من يستحقون رحمته وثوابه، ومن يستحق غضبه وعذابه.
لقد كان من كلمات الله (أحكامه) المنظمة للسنن الكونية في خلق البشر، أن جعل لكل نتيجة مبتغاة أسبابا، والتي هي اجراءات ينبغي أن يبادر الإنسان الى انجازها، وهي خاضعة في سقفها الأعلى لما تتيحه تلك السنن (القوانين الفيزيائية والكيميائية والحيوية)، وفي حدها الأدنى لهمة الإنسان وعزيمته في طلبها والصبر على تحقيقها.
وجعل ذلك ملزما لكل خلقه، ولم يستثنِ أحدا منهم سواء المؤمنين الطائعين، أو المكذبين العاصين، ولا حتى رسله وأنبيائه، وحينما كان يمدهم بمعجزات خارقة لتلك القوانين، كان يوحي إليهم بالمبادرة في الفعل، ثم يجعل قدرته منتج الفعل على غير ما حددته قوانينه الطبيعية، ولفعل محدد في زمن محدد، فعصا موسى تحولت مرة الى أفعى صغيرة تسعى، ومرة الى ثعبان ضخم التهم كل عصي السحرة وحبالهم، ومرة أخرى فتحت طريقا يبسا في البحر، ومرة أخرجت الينابيع من الصخر القاحل، فعصا موسى لم تحدث التغير إلا بعد مبادرته لتنفيذ أمر الله: ألق عصاك..اضرب بعصاك البحر.. واضرب بعصاك الحجر.
كما أن شجرة النخيل لم تساقط على مريم رطبا جنيا، إلا بعد أن مدت يدها لتهزها، وما كان باستطاعتها ذلك فعليا، لكن ذلك ليعلمنا الله أنه ليس على المؤمن تأمين الانجاز بل الأخذ بالأسباب والمبادرة في الفعل.
وكذلك الأمر كان مع معجزات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فعند خروجه للهجرة من بين المشركين الذين جاءوا لاغتياله، لم تكن حثية التراب التي ألقاها في وجوههم هي التي أعمتهم عنه، بل لأنها ما بإمكانه من الأسباب.
لذلك أوجد الله الرباط والجهاد وسيلة لتنفيذ آلية النصر، ولم يشترط لتحقيق وعده اعداد القوة المكافئة، بل: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ..” [الأنفال:60]، وهذا الإعداد والتجهز هو المبادرة الى الأخذ بالأسباب، وعندما يكون ذلك مبنيا على عقيد التوحيد السليمة، والنية الصادقة في الجهاد، فإن النصر مؤكد لجند الله، وهم حتما الغالبون، مهما كانت موازين القوى مختلة لصالح الأعداء.
لقد ثبت ذلك في جميع الحالات التي قاتل فيها المسلمون أعداءهم، منذ بدر، إلا في حالات قليلة مثل أحد وحنين، لم يهزموا ولكنهم لم ينتصروا لأن الله أراد لهم أن يتعلموا دروسا هامة من البداية وتعلموها.
في أيامنا هذه نرى تطبيق ذلك ماثلا، فمعركة المقاومة الإسلامية في غ_زه، بمفهوم العلمانيين مغامرة، لكنها عند المؤمن واثقة ومحسوبة، اعتمادا على العنصرين المطلوبين لتحقيق وعد الله وهما: العقيدة الجهادية، واعداد العدة الممكنة، والباقي على الله، لقوله تعالى: “وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ” [البقرة:40].
لذلك رأينا علامات نصر الله منذ بداية المعركة، فقد عميت أعين الأعداء والعملاء عنهم، فكانت المباغتة تامة، كما شتت رمي الأعداء، فما نالوا في قصفهم غير المنشآت والمدنيين التي تعوض، ولم ينالوا من المقاتلين، بدليل أنهم لم يقبضوا على أسير واحد.
بالمقابل فمقاتلو الصهاينة مرعوبون لأنهم يُقتلون وتدمر دباباتهم من غير أن يروا المقاومين، لذلك تجدهم يقولون إنهم يقاتلون أشباحا.. ليس هنالك من أشباح، لكن الله أعمى أبصارهم.
امارات النصر تعرفها عندما يقول العدو انهم يقاتلون لينتصروا، فيما يقول المقاوم أنه يقاتل ليستشهد.. الفرق هائل في الإقدام بين طالب الحياة وطالب الموت.
