بوشار لشخص واحد / عطر الزعبي

بوشار لشخص واحد
جاء وأخيراً يوم الخميس، وقد خرج جميع أفراد عائلتها الكبيرة إلى مشاوير متفرقة وبقيت لوحدها في البيت. قلما يحدث هذا السيناريو لوجود عدد كبير من السكان في المنزل. وكشخص يعزّ خصوصيته ووحدته، كان هذا عيداً بالنسبة لها، فقد آثرت الجلوس في المنزل ذلك المساء على الخروج مع الصديقات ومشاركتهن “طلعة الخميس”، أما أخواتها الأصغر فكان هذا هو اليوم المنشود طوال الأسبوع للخروج من دوامة الجامعة، فالدراسة، فالأعمال المنزلية من أجل الخروج مع الصديقات.
بعد تفكير ملي في كيفية قضاء هذا المساء الهادئ، قررت أن تبتعد عن غرفتها التي تجلس فيها بالعادة ساعات طوال من أجل الهرب من ضوضاء العائلة وأحاديثهم التي لا تهمها كثيراً، لبست ملابس النوم الأكثر راحة ودفئاً، وأخذت بطانيتها الوثيرة وتوجهت إلى غرفة المعيشة لتستأثر بها لنفسها دون منازع. وقررت أن تشاهد أحد أفلامها المفضلة بهدوء واستمتاع دون مقاطعة أو أسئلة. ارتأت أن تجربة مشاهدة الفيلم لا تكتمل إلا بوعاء من البوشار المقرمش، ذهبت إلى المطبخ لتعد لنفسها قدراً كاملاً من البوشار، اتبعت التعليمات بدقة ووقفت أمام موقد الغاز تستمع طربة لفرقعات حبات الذرة وهي تدغدغ الطفلة في داخلها، وراحت تختلس النظر داخل القدر بين الحين والآخر مع علمها أن حبة بوشار طائشة قد تتسبب في إصابة ستضطرها للكثير من الشرح والتفسير، ولكنها قبلت بالمخاطرة واستمرت بمناوراتها مع البوشار المشاكس.
حملت وعاء البوشار الشهي، واتخذت لنفسها مجلساً ملكياً في صدر غرفة المعيشة ومدت قدميها المدثرتين بالبطانية، وبدأت تشاهد الفيلم وهي تشعر بسعادة. “شعور جميل أن أشاهد الفيلم دون مضايقات من أخواتي المزعجات، هذه تعترض على عدم وجود الترجمة، وتلك لا تعجبها أفلام الرعب من الأساس، والأخرى تريد فيلماً للأطفال”. ابتسمت برضى وراحت تنهل من كومة البوشار المقرمشة “أول مرة أتمكن من سماع صوت قرمشة البوشار داخل فمي، غريب، لم أعهد البيت يوماً بهذا الهدوء…من غير شر!” تابعت متابعة الفيلم، الذي بدأت أحداثه بالتبلور وحبكته بالانعقاد، شعرت لوهلة أن عليها أن تتولى مهمتها الدائمة في شرح الحبكة للجمهور ذو الاستفسارات المتكررة، ثم تذكرت أنها لوحدها وأن لا داعي لهذا اليوم، “هذا أفضل،، ولن تضيع علي كلمة واحدة من الحوار” طمأنت نفسها وهي تنظر إلى كومة البوشار التي لم ينقص ربعها على الرغم من مضي عشرون دقيقة على بدء الفيلم. “هذه سابقة، في العادة، ما إن يبدأ المشهد الأول في الفيلم حتى يكون البوشار قد أكل عن بكرة أبيه، وتخاطفت الأيدي الوعاء حتى أفنت محتوياته”، “يبدو أنني شبعت” في تلك اللحظة شعرت بغصة في حلقها لم يكن سببها قشور الذرة المترامية بين حبات البوشار. وضعت الوعاء شبه الممتلئ جانباً، وأمسكت هاتفها لترسل رسالة “يلا وينكم؟ تعالو عملتلكم بوشار”.
عطر الزعبي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى