
برلمان بلا أنياب… حين تتحوّل الديمقراطية إلى عرض مسرحي في ألبانيا
د. محمد تركي بني سلامة
في ألبانيا اليوم، لا تحتاج إلى كثير من التدقيق لتكتشف أن “الديمقراطية” لم تختفِ… بل تغيّر دورها. لم تعد نظام حكم، بل ديكور متقن يُعرض بإضاءة جيدة أمام الداخل والخارج. أما خلف الستار، فالقصة مختلفة تمامًا: قرارات تُصاغ بعيدًا عن البرلمان، وتُمرَّر داخله كما تمرّ الرسائل في صندوق بريد رسمي لا يملك حق الفتح أو الاعتراض.
البرلمان، الذي يُفترض أن يكون قلب الحياة السياسية، تحوّل إلى ما يشبه قاعة تصديق أنيقة، حيث تُقرأ النصوص لا لتُناقش، بل لتُمرَّر. النقاش موجود… شكليًا. الاعتراض مسموح… صوتيًا. أما التأثير، فذلك امتياز محجوز لمن يملك مفاتيح اللعبة.
في قلب هذا المشهد يقف رئيس الوزراء إيدي راما، لا كمدير للسلطة التنفيذية فحسب، بل كمهندس لنموذج سياسي يُعيد تعريف العلاقة بين السلطات. أغلبية مريحة؟ نعم. لكنها لم تعد وسيلة للحكم، بل أصبحت أداة للاحتكار. فالأغلبية هنا لا تكتفي بتمرير السياسات، بل تتعامل مع البرلمان كامتداد إداري لها، لا كسلطة مستقلة تراقبها.
أما المعارضة، فهي الحاضر الغائب. موجودة في القاعة، لكنها غائبة عن القرار. تُقدّم مقترحات تُرفض بسرعة تكاد تكون آلية، لا لأن فيها خللًا، بل لأن مصدرها “غير مرغوب فيه”. والمفارقة الساخرة أن بعض هذه المقترحات يعود لاحقًا بثوب جديد، مُوقّع باسم الأغلبية نفسها، وكأن الفكرة لا تُصبح صالحة إلا بعد أن “تُغسل سياسيًا”!
الرقابة البرلمانية؟ عنوان جميل بلا مضمون. لجان تحقيق تُطلب ولا تُنشأ، استجوابات تُفرَّغ من معناها، ومواعيد دستورية تُؤجّل حتى تفقد قيمتها. نحن أمام تعطيل ذكي للمساءلة: لا خرق فجّ للقانون، بل التزام شكلي يُفرغ النص من روحه.
أما التشريع، فقد دخل مرحلة يمكن تسميتها بـالإنتاج السريع للقوانين: نصوص تُمرّر بسرعة لافتة، جلسات تُعقد بلا نقاش حقيقي، وتصويتات تُنجز وكأن الهدف ليس صناعة سياسة، بل إنهاء جدول الأعمال بأقل قدر من الإزعاج. وهكذا، يتحول البرلمان إلى آلة تمرير، لا تختلف كثيرًا عن ختم رسمي فاخر.
هذا النموذج ليس جديدًا في الأدبيات السياسية؛ إنه ما يُعرف بـ“الاستبداد الانتخابي”—حيث تبقى الانتخابات قائمة، والمؤسسات موجودة، لكن جوهر التعددية والمساءلة يتآكل تدريجيًا. الديمقراطية هنا لا تُلغى، بل تُروّض.
وماذا عن الاتحاد الأوروبي؟
يقف في موقف لا يخلو من التناقض: يراقب، يُبدي القلق، يُصدر تقارير تدعو إلى تعزيز سيادة القانون واستقلال المؤسسات، لكنه في الوقت ذاته يُبقي باب الحوار مفتوحًا، مدفوعًا بحسابات التوسّع والاستقرار الإقليمي. نقدٌ محسوب، وضغطٌ ناعم، دون صدام مباشر—وكأن الرسالة تقول: “نرى ما يحدث… لكننا نفضّل أن يتغير بهدوء”.
في النهاية، ألبانيا لا تعاني من غياب الديمقراطية، بل من إتقان تمثيلها. برلمان يعمل… دون أن يؤثر. معارضة تتكلم… دون أن تُسمع. انتخابات تُجرى… دون أن تغيّر قواعد اللعبة.
ويبقى السؤال الذي يتردّد بصمت في أروقة السياسة:
هل ما زال البرلمان في ألبانيا مؤسسة تمارس السلطة… أم أنه أصبح مجرد منصة تُمارَس عليها السلطة؟
الإجابة، كما يبدو، لم تعد بحاجة إلى تحقيق برلماني… لأنها واضحة أكثر مما ينبغي.
