السلّم و الحيّة!!! / د . ناصر نايف البزور

السلّم و الحيّة !!!

عقودٌ خَلَت و لعبة “السلّم و الحيّة” تعيش بين ظهرانينا خصوصاً في شهر رمضان الكريم و أثناء أشهر الإجازة الصيفية الطويلة المملة… قبل أسابيع قادني الحنين لمحاولة شراء واحدة لكنّني لم أجدها في المكتبات و المتاجر مع علمي أنّها ما زالت حيّة تُرزق 🙂
ففي الماضي كانت هذه اللعبة هي المتنفّس شبه الوحيد لقضاء وقت الفراغ والترفيه عن النفوس في ساعات نهار رمضان المضنية… كُنّا نقضي الساعات الطوال نتبارى و نتنافس للفوز بالوصول إلى سدّة العرش عند الرقم “100” … يومها لم تكن الفضائيات و الإنترنت قد وصلت إلى عالمنا و زاحمتنا في بيوتنا… كانت شاشة التلفزيون الأردني هي الفسحة الوحيدة للصغار و الكبار…
يومها لم تكن برامج التسلية، و الكوميديا، و الطبخ، و الحزازير، و الفوازير، و الرياضة، و الزناخة، و الوقاحة قد غزتنا في عقر غرفنا…. أصلاً لم يكن عندنا غرف سوى غرفة واحدة يجتمع فيها أفراد الأسرة العشرة أو أكثر… يأكلون… و يدرسون… و يسهرون… بل و ينامون… 🙁
كانت الحياة بسيطة و الأحلام بسيطة… لذلك كانت قواعد السلّم و الحيّة بسيطة و تتناسب مع تفاصيل حياتنا الدقيقة… فمن أراد العيش فهو بحاجة إلى أن تبقى حياته رهينة حجر النرد؛ فإن حالفه الحظ استقرّت الزهرة على الرقم الذي ينتهي بمربع صعود السلّم؛ فيرقى في الدرجات… و إن خانه الحظ استقرّت الزهرة على رقم ينتهي بمربّع فم الأفعى؛ فيهوي في الدركات… هي إذاً مقامرة بحتة لا منطق فيها سوى لعبة الحظ أو عدمه 🙁
ففي بلاد العرب أوطاني تكاد تشبه جميع مناحي الحياة لعبة السلّم و الحيّة في الجوانب الإجتماعية، و الإقتصادية و السياسية….
فاختيار الزوج/ الزوجة مسألة نصيب و حظ…و نجاح الحياة الزوجية لا يحكمه سوى الحظ… فهو كالبطّيخ في شهر أيّار… “حمرا أو قرعة” … “قمحة أو شعيرة”… 🙂 الصداقات لا يحكمها سوى الحظ… صلاح الجيران: حظ…النشرة الجوية تسير حسب الحظ… النجاح في التوجيهي: حظ… اختيار التخصص الجامعي المناسب: حظ… الحصول على وظيفة: حظ… الحصول على ترقية: حظ… اللحاق بالحافلات صباحاً: حظ… الدجاج صالح أو فاسد: حظ… الماما طابخة أو مش طابخة: حظ 🙂 فأصبحت تقلّبات حجر النرد تحكم معظم تفاصيل معاشنا من الألف إلى الياء.. 🙁
لكنَّ الأمر يبقى مقبولاً عند هذا الحد… فنسبة النجاح و نسبة الفشل تبقى متساوية “فِفتي فِفتي” في جميع الحالات… يعني مرّة بتصيب و مرّة بتخيب … و كل شيء قسمة و نصيب…و الحمد لله 🙁
المصيبة الكبرى باتت في و اقعنا السياسي و انعكاساته الإقتصادية و التربوية؛ فحكوماتنا غير خاضعة لتقلّبات حجر الزهر أبداً… فمهما تغيّر الرقم الظاهر على وجه الزهرة، تكون النتيجة دائماً هي الوصول إلى فم الأفعى التي تقوم بابتلاع الشعب ليهوي في وادٍ سحيق… 🙁
كلّما حدث تغيير وزاري تفاءل الناس و أغمضوا أعينهم و رموا الحجر و قالوا “يا الله”… فإذا فتحوا أعينهم من جديد فإذا بثعبانٍ يفغر فمه ليبتلعهم و طموحاتهم… و تستمّر لعبة السلّم و الحيّة على رقعة الحياة فنكتشف أنّ جميع المربّعات تحتوي على أفواه الثعابين و لا يوجد في الأفق سلّماً و احدا… 🙁
فهل آن الأوان لتغيير هذه اسم هذه اللعبة ليصبح “الحيّة و الحيّة”… أو لتغيير اللعبة بالكامل و البحث عن لعبة جديدة قد يكون اسمها “السلّم و العصفور” مثلاً… نصعد من خلالها السلّم درجة درجة أو نحلّق و نطير مع العصفور مرّة واحدة…. 🙂
جعل الله جميع أيّامنا عصافير… أعلم أن عصافير بطون الصائمين “بتزقزق” الآن… 🙂 صياماً مقبولاً و إفطاراً هنيئاً…!!! و الله أعلم و أحكم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى